الغضب وضيق النفس

أين ما حلّ الغضب أفسد الأمور وقلبها رأساً على عقب، قال نبينا ﷺ لأحد الصحابة:

«لا تغضب». – رواه الإمام البخاري.

كما أن عواقب الغضب من احدى أهم أسباب الفشل الأسري ثم العملي ثم الاجتماعي،
خاصة عند النقاشات الحادة الزائدة،
وفي الطرق حين قيادة السيارات والدراجات،
وضمن أماكن الانتظار والازدحام، والأسواق، والملاعب والأماكن الترفيهية المزدحمة،
كلها مواطن يزداد فيها الجدال والخصام والاختلاف والصدام، لا يسعنا إلا التغافل والصبر لأننا جميعنا نتردد على تلك الأماكن على الدوام، ولا نريد أن نعيش في صراعات مستمرة وقتال لسفاهة السفهاء ولبعض سقطات العقلاء وأخطاء البسطاء، وكم من مقتول دخل القبر وقاتل ذهب إلى السجن لأجل تلك المواقف سالفة الذكر.

{إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف:200].

إياك والظن أن الغضب يمثل الشجاعة والقوة ..
بل هو دليلُ طيشٍ وتهورٍ وجهلٍ نسأل الله العافية، ويعكس على الأغلب ضعف الشخصية ثقافياً وتربوياً ودينياً،
ربما يكون صاحبها بطراَ متكبراَ متجبراً لِما أنعم الله عليه من مال وعز وسلطان أو لصحبة سيئة أو لعلها ليونة التربية التي حظي بها في المنزل والمدرسة، كل ذلك يجعل الإنسان ضعيف الصبر والحكمة،
لا يتحمل الصعاب ولا مشاق الحياة ولا يتمالك نفسه فيشتاط غضباً على صغائر الأمور لأتفه الأسباب. وقيل إن الشجاعة من القلب:

(وهي ثباته واستقراره عند المخاوف، وهو خلق يتولد من الصبر وحسن الظن،
فإنه متى ظن الظفر وساعده الصبر ثبت،
كما أن الجبن يتولد من سوء الظن وعدم الصبر فلا يظن الظفر ولا يساعده الصبر) -موسوعة الأخلاق الإسلامية.

الأسباب الرئيسية لدخول السجناء السجن هي الغضب،
كذلك حالات الطلاق، والعقوق، والشجار، والقتل، وقطيعة الرحم، تبدأ بالغضب وتكبر إن استمر الغضب،
لأنه كالشعلة تصبح ناراً لا تنطفئ إلا بحرق من حولها، عافانا الله،
عواقبها كارثية مؤذية للنفس والجسد والآخرين،
عن الصحابي معاوية بن ابي سفيان الخليفة الأموي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، والماء يطفئ النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل»، – جاء في كتاب الحلية بسند ضعيف،

قال الدكتور محمد نجاتي حاكياً العلاج:
(يشير هذا الحديث إلى حقيقة طبية معروفة، فالماء البارد يهدئ من فورة الدم الناشئة عن الانفعال، كما يساعد على تخفيف حالة التوتر العضلي والعصبي، ولذلك كان الاستحمام يستخدم في الماضي في العلاج النفسي) انتهى. – الحديث النبوي وعلم النفس، (ص/122).

الغضب لا يأتي بخير في أغلب حالاته،
كمن يصب الزيت على النار، ليفتح مجال الشتم والأذى والضرب والقتال والدمار ثم الندم،
فالغضب أمام الوالدين يستجلب العقوق،
وأمام الأبناء يستجلب الكراهية،
وأمام الزوجة يستجلب الطلاق والفراق،
وعند النقاش والحوار يستجلب النزاع والشقاق،
الإنسان الغضوب لا يكاد يسلم له شيءٌ في الدنيا،
نجده وحيداً في النهايات لقساوة طبعه وسوء منطقه وحدته مع من حوله،
لا ينجح في العلاقة الزوجية، ولا تكوين أسرة مستقرة،
ولا يسلم له صاحب، ولا يهنئ له جار،
ولا يحسن في إيصال حتى وجهة نظره،
ولا نجده في وظيفة دائمة ولا شراكة مستدامة، كل ذلك لأجل الغضب والعنف والصراخ وسوء العِشرة،
نسأل الله الرفق والحكمة،
قال النبي ﷺ: «مَن يُحرَمِ الرِّفْقَ، يُحرَمِ الخيرَ كُلَّه» – صحيح الجامع.

الغضب المجدي النافع يكون لأجل الله ورسوله
عندما تنتهك الحرمات لا قدر الله،
وعلى الحقوق إذا ضيعت، وعلى أعراض المسلمين وأموالهم ومقدساتهم، وعلى الظَلَمة والفَسَقة والفَجَرة،
أو في مواطن الجهاد أو لأمر بالمعروف ونهي عن المنكر،
أو لإعلاء كلمة الحق عند سلطان ومسؤول جائر غشوم،
فلا ريب بأن الغضب نفع ورفع صاحبه عند الله تعالى.
قال رسول الله ﷺ:

«من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»
-حديث صحيح رواه الإمام مسلم.

لا ريب إن إنكار المنكر يتطلب قبل ذلك دراية أدبية وعلمية عن المعروف والمنكر،
لأن هناك من ينكر المعروف جهلاً ويرضى بالمنكر جهلاً،
كما ينبغي أن يكون مستوى الغضب ضمن الحدود والآداب لا يجر الى مصيبة أكبر وبلية بين المسلمين لا يحمد عقباها تؤدي لا قدر الله إلى السجون أو المشافي أو القبور.
ضغط الدم، أمراض القلب، الصداع، السكتات الدماغية، اضطرابات النوم، السكري، الانهيارات العصبية،
أغلبها يعود للغضب الزائد لتصيب الانسان بأمراض عقلية ونفسية وجسدية …
عدا أنه من الشيطان والشيطان من النار والنار تأكل نفسها وغيرها عافانا الله.

علاج الغضب
نحتاج لعناية وهمة ونية جادة لغاية الصحة والحياة، مثل:
الرياضة على كظم الغيض، التغافل، مغادرة مكان الحدث، السكوت بدلاً من الجدال، وقراءة الكتب، ومصاحبة الصالحين، اليقين أن هناك مصائب تبقى أهون بكثير مما نحن فيه، قراءة قصص النبي ﷺ والصحابة الكرام مع الغضب، الدعاء بأن يُفرغ الله علينا صبراً ويرزقنا الرفق،
والتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كما أن الناس تخطئ وتقول للإنسان الغاضب:
“اذكر الله او صل على النبي”!
والسنة عن النبي ﷺ:
«إذا غضبَ الرجلُ فقال: أعوذُ باللهِ سكنَ غضبهُ» – السلسلة الصحيحة

لماذا نغضب؟
الغضوب يخونه عقله ولسانه عن التعبير والتحليل وإيجاد الحلول بحكمة فيلجأ للأسف للحل الأسرع والأخطر والأسوأ وهو الصراخ والصراع،
الذي يزيد الطين بلة ويزيد التعقيد تعقيداً،
مع أن الحل لا يكون إلا الحوار بالحسنى، لأنها السبيل الوحيد الحصري لحل المشكلة والإشكال،
وكم من قصص إجرامية وطلاق وقطيعة أرحام حدثت بسبب الغضب ولأسباب طفولية لا تذكر من سوء تفاهم وظن سوء وعناد،
قال النبي ﷺ:
«إنما العلمُ بالتعلم، وإنما الحلمُ بالتحلُم،
ومن يتحرَّ الخير يُعطهُ، ومن يتقِ الشر يُوقَهُ» – السلسلة الصحيحة.

الذي أراه ينطقني.

فتاوى ذات صلة
الإنسان الاجتماعي
الإنسان الاجتماعي

قيل: (إن للإجتماع روحاً لطيفاً فاعلة في النفوس كل جميل).. والإنسان يحب الاستئناس بالناس، يحب الحوار والأصحاب والجماعات والاجتماعات، ويحب اقرأ المزيد

محبة
محبة

للوطن محبة، ومحبة الحي، محبة الجيران والأهل، هي الطفولة هي الماضي والتاريخ والذكريات والأصحاب محبة لا تقارن لا تضمحل مع اقرأ المزيد

الحب
الحب

الحب ليس تجربة وليس شهوة وليس سباقاً أو تحدياً أو تفاخراً أو عذاباً… الحب يا كرام هو محبة ذات وجوهر اقرأ المزيد

الاختلاط
الاختلاط

الاختلاط قد يرغبه الكثير ويستحسنه، لأن النظر إلى النساء والتعامل معهن ليس بالشيء السيء للنفس الأمارة بالسوء، وكذلك العكس من اقرأ المزيد