المدير المسؤول الرئيس

الإداريون كالرؤساء والمسؤولون والضباط وغيرهم قلائل مكنهم الله على رقاب الناس، سخر لهم البلاد والعباد،

أتاح لهم الكثير وفضلهم على عباده، فهم ساسة الناس والناس عليهم تعول، وتسمع لقولهم وتصدق،
فإن أرادوا النجاة والفلاح حقاً وصَدقوا الناس وأخلصوا دينهم وأعمالهم لله وسلكوا مسلكاً طيباً مضت السفينة بخير ونجى وسعد الجميع،
وإن كذبوا وغدروا وسعوا في الأرض فساداً غرقت السفينة بأهلها وتعس الجميع، وقد قال الشاعر أبو العتاهية:

تَرجو النَجاةَ وَلَم تَسلُك مَسالِكَها  إِنَّ السَفينَةَ لا تَجري عَلى اليَبَسِ

الإدارة تحتاج لصفات وخصال فريدة كريمة لا سبيل للإداري الناجح عنها مهما فاقت شهاداته وخبراته:

أولاً وأهمها: الإيمان بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ والعمل بهما.
ثانيها: حسن الخلق، ثالثها: العلم، رابعها: الحلم،
خامسها: الكرم، سادسها: الحزم، وسابعها: البر،
وثامنها: الشكر، تاسعها: اللين، عاشرها: الشجاعة،
وأخيراً: تعدد الخبرات والمهن. فلا نغتر بأنفسنا أو نغتر بمن ليست فيه هذه الخصال، لأن ليس كل ما يلمع ذهباً..
ولعلنا نستأنس بما قاله سيدنا علي رضي الله عنه في شعره:

إِنَّ المَكارِمَ أَخلاقٌ مُطَهَرةٌ    فَالدّينُ أَوَلُّها وَالعَقلُ ثانيها
وَالعِلمُ ثالِثُها وَالحلمُ رابِعَها   وَالجودُ خامِسُها وَالفَصلُ سادسها
وَالبِرُّ سابِعُها وَالصَبرُ ثامِنُها    وَالشُكرُ تاسِعُها وَاللَينُ باقيها.

الإدارة لها أهلها (ورجالها)، وهي بلا شك (ملعب الرجال)

مع احترامنا وتقديرنا لمربيات الأجيال النساء الأمهات، اللواتي ولدن خير الرجال، كعيسى وأمه مريم عليهما السلام
وإسماعيل وأمه هاجر عليهما السلام،
وأيضاً ووالدة الإمام الشافعي، وأحمد بن حنبل، والنووي ..
والقائمة تطول إذ تذكر نساء عظيمات مخلصات تقيات عفيفات نقيات أخرجن للأمة رجالاً لا نظير لهم ولا مثيل،
فالتربية والرعاية ملعب النساء من دون منازع.

قال الله سبحانه وتعالى:

{وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعضَكُمْ عَلَى بَعضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [النساء:32].

الإدارة ليست منصباً لتعذيب العباد والأخذ بالثأر من أحداث طفولية وقعت ولا بالتضييق عليهم كرهاً وحقداً،

بل منصباً لتسهيل الحياة والتيسير والإصلاح،
وبهذا تتمايز النجاحات والرجال، وتتقدم دول وتتأخر أخر، استغلال المنصب الإداري فيما لا يرضي الله عز وجل ومعاكسة أخلاقيات العمل والرجولة وفشو ذلك في الأقطار الإسلامية أخرج كثيراً من الدول خارج مضمار التطور والتقدم،
فباؤوا جميعاً بالانحطاط والهوان والفشل لأن الأخيار قصرت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإداريون غرتهم الحياة الدنيا واختاروا العاجلة على الآخرة،
وحاربوا الأخيار بكل ما آتاهم الله من قوة كما أحاطوا أنفسهم بشرذمة شريرة لا تعين على الحق لا يهمها إلا مصلحتها من نهب الخيرات ونصرة الشيطان، فخانوا الأمانة وضيعوها.

عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«إِذَا ضيعَتِ الأَمانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» – رواه الإمام البخاري.

رجال سطرها التاريخ وذاع صيتهم وعلا نجمهم لحسن إدارتهم وقيادتهم، فبعد عهد الصحابة المنير الكريم المكلل بالنجاحات، سار على طريقتهم رجال لوامع،

في زمن الخلافة الأموية في دمشق لمع نجم الرجل الصالح الخليفة عمر بن عبد العزيز،
وفي زمن الخلافة العباسية في بغداد لمع نجم الخليفة العباسي هارون الرشيد،
وفي دمشق أيضاً لمع القائد صلاح الدين الأيوبي،
وأيضاً الخليفة القائد محمد الفاتح عندما فتح القسطنطينية (إسلام بول) ..
والكثير من المؤمنين الرجال، أخلصوا لله أعمالهم وأوقاتهم، وجعلوا الإسلام نصب أعينهم فربحوا الدارين.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا استعملَهُ»،
فقيلَ: كيفَ يستعملُهُ يا رسولَ اللَّهِ؟
قالَ: «يوفِّقُهُ لعملٍ صالح قبلَ الموتِ» – صحيح الإمام الترمذي.

الرئاسة والمناصب والسلطة ليست لقهر العباد وضرب البلاد، وليست مرتعاً ومغنماً للعائلة والأقارب والأصحاب.

كما أن الإدارة العنيفة القاسية الحديدية قد تنجح أحياناً ولكن لا تفلح ولا تدوم على المدى الطويل لأن العنف والقسوة يخلقان الدمار والخراب، ومن يزرع الشوك يحصده ولو طال الزمان، ومن يزرع البذور النافعة من تيسير وتعاون وعدل وإنصاف يحصد الثمار وينتفع الجميع من دون بلاء وعداوات، ومن لم يفهم سيندم،
قالَ ﷺ:
«اللهُمَّ مَنْ ولِي من أمرِ أُمَّتِي شيئًا فَشَقَّ عليهم فاشْقُق علَيهِ، ومَن ولِيَ من أمرِ أُمَّتِي شيئًا فَرَفَقَ بِهم فارفُق بِهِ» – صحيح مسلم.

الإدارة ليست منصباً نتعاظم به ولا يصح الاحتجاب عن الناس بدعوة الانشغال وضيق الوقت،
فنحن جزء لا يتجزأ من المجتمع لا يسعنا إلا الاندماج معهم والإنصات لهم دون منّة أو تأفف،
وعلينا إبقاء بابنا مفتوحاً على الدوام نستقبل الفقير قبل الغني والضعيف قبل القوي،
ولا نغتر بأفعال وعادات الفسقة من المسؤولين الذين لا يراعون الناس وحوائجهم، فيزيدون الهمّ هماً،
ولنعلم جميعاً أن هناك الملايين من الناس تمتلك السلطة والمال، لسنا الوحيدين على هذه المعمورة! فلنتواضع.
عن أبي مريم الأزْدي، قال: دخلتُ على معاوية فقال:
ما أنْعَمَنا بك أبا فلان -وهي كلمة تقولها العرب- فقلتُ: حديثًا سمعتُه أُخبرُك به، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:

«مَن ولَّاهُ الله عز وجل شيئًا مِنْ أَمر المسلمين فاحتَجَبَ دُونَ حاجَتِهم وخَلَّتِهِم وفقرهم، احتَجَبَ الله عنه دون حاجَتِه وخَلَّتِهِ وفقره»
قال: فَجَعَل رجلًا على حوائِج الناس. – حديث صحيح، رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

للإدارة طرق وأساليب وفنون في فرض القوانين ونشرها وتوضيحها للناس،
فإذا كانت القوانين غير مدروسة بحكمة وترو من كل جوانبها السلبية والإيجابية ولم يتم إنزالها منزلاً شرعياً صحيحاً وكريماً فسوف نهلك الحرث والنسل وتصاب البلاد بالحمى ثم ما أن تلبث وتتزعزع ويسوء حالها ويسعد عدوها ويشمت،

خاصة إن كانت مأخوذة من أناس عنيفة أو قاسية وفاسدة أو مادية وضعيفة، كما جاء في كتاب صحيح الإمام مسلم،
عن أبي ذر رضي الله عنه: قال: قلت: يا رسولَ اللهِ ألا تستعملْني أي – في منصبٍ – قال:
فضرب بيدِه على منكبي ثم قال:
«يا أبا ذرٍّ إنك ضعيفٌ، وإنها أمانةٌ وإنها يومَ القيامة خزيٌّ وندامة إلا من أخذها بحقِّها وأدَّى الذي عليه فيها».

هنا نعلم أن الإمارة والإدارة والقوانين والتدبير أمانة عظيمة ومسؤولية أعظم، ناهيك عن أمانة وإيمان وشجاعة الصحابي أبو ذر رضي الله عنه، فكيف بمن هو دونه لا أمانة ولا إيمان ولا شجاعة، لذلك نجد أمر الأمة في تدهور وانحطاط.

نجد الكثير من المخالفات الظالمة القاسية قد وضعت ونُفذت لأسباب ملحة للحد من مشاكل وكوارث المشاكسين، ثم نجد مع الأيام أن الكثير من بسطاء الناس وقعت خطأ في هذه المخالفات التي استحدثت،
فتصاب بالظلم خاصة إن كانت عواقبها نفسية أو مادية مجحفة، علماً أن سجل هذا المخالف قد يتمتع بالنزاهة ويخلو من المخالفات والسوابق..،
فليس على أهل هذه القوانين بعد وضع آلية تحث على إعادة النظر وقراءة تاريخ المخالف جيداً إلا العفو وتقديم فرصة ثانية ..
وتحري العدل وبسطه قبل تثبيت المخالفة وظلم المظلوم. قال سبحانه وتعالى:

{وَأَن تَعفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة:237].

الساعي للكرسي والسلطة المتشوف لها الحالم أن يصبح مسؤولاً أو رئيساً لينعم ويسود قومه ويأمر وينهى ويعيش،
لا يصح شرعاً توليته وفسح المجال له!!! فهذه الفئة تضر ولا تنفع ثم ستغرق في الفتن والشهوات،

فلا ريب الجشع والطمع لن يتوقفا عند ذلك فحسب،
بل سيدفعان صاحب السلطة والقوة لاستغلال المنصب لمآرب أخرى بعكس من كانت السلطة والرئاسة آخر همه، فهذا سيجعل خيرات البلاد تذهب للشعب، لا فقط لفئة قليلة من أهل السلطة والجاه كما هو الحال في يومنا هذا، وسيأخذ بيد الضعفاء ضد الأقوياء بالعدل والإنصاف لا كما يحدث الآن من ضياع حق الضعيف وكرامته،

فالأمر يبدأ بالرجل الصحيح في المكان الصحيح،
المختار من قبل الناس وأهل الفضل والصلاح،
لا المختار من قبل نفسه أو الأغنياء وأصحاب النفوذ.
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:
دَخَلْتُ علَى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَنَا وَرَجُلَانِ مِن بَنِي عَمِّي، فَقالَ أَحدُ الرَّجُلَينِ: يا رَسولَ اللهِ،

أَمِّرنَا علَى بَعضِ ما وَلَّاكَ اللَّهُ عز وَجَلَّ، وَقالَ الآخَرُ مِثلَ ذلكَ،
فَقالَ: «إنَّا وَاللَّهِ لا نُوَلِّي علَى هذا العَمَلِ أَحدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحدًا حرَصَ عليه» _ حديث صحيح رواه مسلم.

تمني الإمارة والإدارة مسؤولية عظيمة قد لا يدركها العقل ويستوعبها الإنسان لعظم أهميتها ومكانتها المرتبطة بمصالح العباد والبلاد وشؤونهم ومستقبلهم فلا مجال للخطأ، ناهيك عن الحسرة والندامة يوم القيامة إن كان المسؤول جاهلاً أو ضعيفاً صاحب إمكانيات ركيكة وخبرة ضئيلة وحكمة معدومة،
فهذه الأشياء كلها تتطلب رجلاً خاض الصعاب وجرب وحارب وخاف وجاع،
خالط الناس شرارها وأخيارها وتعلم وسافر،
وأحاط علماً وإيماناً بكتاب الله وسنة نبيه وأخبار السلف الصالح والتاريخ والأدب والشعر والبلدان،
صاحب شجاعة وهيبة وبسالة وتواضع،
قالَ لي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:
«يا عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ سَمُرَةَ لا تَسأَلِ الإمارَةَ، فإن أُعطِيتَهَا عن مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيهَا،
وإنْ أُعطِيتَهَا عن غيرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنتَ عَلَيهَا»
– حديث صحيح رواه الإمام البخاري.

الإدارة أو الإمارة أحياناً حسرة وندامة

لأنهما طريق سهل محصن لاقتراف الحرام والوقوع في الفتن والشهوات ثم عاقبتهما ميتة السوء وعذاب القبر ثم النار،
فهما سيف ذو حدين، أو يكونا طريقاً للحلال والفلاح ودعاء الناس ثم الرحمة فالجنة،
لأن صاحب السيادة والسلطة سيحاسب حساباً دقيقاً عن كل شاردة وواردة صغيرة كانت أو كبيرة،
كما قال عز وجل: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات:24].

قال ﷺ: «إِنَّكُم سَتَحرِصُونَ عَلَى الإِمارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامة يَوْمَ القِيَامة، فَنِعمَ المُرضِعَةُ، وَبِئسَتِ الفَاطِمة»
– حديث صحيح رواه الإمام البخاري.

الإداري الناجح الصادق لا يزكي نفسه مهما كان..

قال الله عز وجل: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم:32].

لا تجده مادحاً ناسباً لنفسه ناسياً غيره بل يقول: (كنا، نحن فعلنا عملنا، أنتم، جميعنا، كلنا، معاً…) يتواضع يسمع يلين،
يلتمس الأعذار ويقبلها، يخلق الحلول، يفي بالوعود، يساعد يساند يسامح، يشارك النجاح، يبادر بالعطاء، جواد كريم، رفيقً نبيل، يشكر الناس ويقدر لهم عملهم ويجازيهم عليه، لأنه يعلم مركزه،
ويعلم أن الله قد فضله على كثير ممن خلق،
ويعلم كل العلم لولا توفيق الله ما كان الذي كان ولم يحقق ما تحقق،
فالفضل كله لله أولاً وأخيراً ثم للفريق والزملاء والناس،
قال رسول الله ﷺ:
«من لم يشكرِ النَّاسَ لم يشكرِ اللَّهَ» – هداية الرواة لابن حجر العسقلاني.

الذي أراه ينطقني

فتاوى ذات صلة
الإنسان الاجتماعي
الإنسان الاجتماعي

قيل: (إن للإجتماع روحاً لطيفاً فاعلة في النفوس كل جميل).. والإنسان يحب الاستئناس بالناس، يحب الحوار والأصحاب والجماعات والاجتماعات، ويحب اقرأ المزيد

محبة
محبة

للوطن محبة، ومحبة الحي، محبة الجيران والأهل، هي الطفولة هي الماضي والتاريخ والذكريات والأصحاب محبة لا تقارن لا تضمحل مع اقرأ المزيد

الحب
الحب

الحب ليس تجربة وليس شهوة وليس سباقاً أو تحدياً أو تفاخراً أو عذاباً… الحب يا كرام هو محبة ذات وجوهر اقرأ المزيد

الاختلاط
الاختلاط

الاختلاط قد يرغبه الكثير ويستحسنه، لأن النظر إلى النساء والتعامل معهن ليس بالشيء السيء للنفس الأمارة بالسوء، وكذلك العكس من اقرأ المزيد