هل الغربة منحة أو محنة؟ هل الغربة فرصة أم كربة؟
الغربة هي جميع ذلك، الغربة تبقى المصير المجهول للمقدم عليها،
تبقى كربة بفراق الأهل والأصحاب والأسرة والأبناء والوطن، تبقى فرصة للتعرف على عالم جديد وأناس جدد،
تبقى محنة لأن الفرص انعدمت أمامنا في مسقط رأسنا، ومنحة عندما تجلت في بلد آخر،
علينا بكل الأحوال النهوض والسعي هنا وهناك لأن الخير كل الخير في السعي العفيف الكريم،
(اللهم اجعلنا من المعطين ولا تجعلنا من الآخذين).
قال الشاعر العربي من بلاد الشام المشهور عروة بن الورد:
إِذا المَرءُ لَم يَطلُب مَعاشاً لِنَفسِهِ *** شَكا الفَقرَ أَو لامَ الصَديقَ فَأَكثَرا
وَصارَ عَلى الأَدنَينَ كَلّاً وَأَوشَكَت *** صِلاتُ ذَوي القُربى لَهُ أَن تَنَكَّرا
وَما طالِبُ الحاجاتِ مِن كُلِّ وِجهَةٍ *** مِنَ الناسِ إِلّا مَن أَجَدَّ وَشَمَّرا
فَسر في بِلادِ اللَهِ وَاِلتَمِسِ الغِنى *** تَعِش ذا يَسارٍ أَو تَموتَ فَتُعذَرا
الكثير من البشر وعلى مرّ الدهور والعصور غادروا بلادهم لنشر الدعوة، للجهاد، للتجارة، للزواج، للعلم، للطبابة، خاصة العرب قبل الإسلام انتشرت طلباً للرزق والتجارة ولتتبع مواطن المطر والأنهار والثمار،
حتى بعد فجر الإسلام انتشرت العرب في أغلب أصقاع الأرض فاتحين البلاد ناشرين الإسلام،
حتى استقروا فيها وأصبحوا من أهل تلك المدن، فالهجرة جائزة ومستحبة إن كانت لأسباب:
علمية، دعوية، علاجية، تجارية، إغاثية، واجتماعية،
{وَأَرضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ} [الزمر:10].
السفر أو الهجرة وإن كانت مستحبة وضرورية
يبقى الأولى والأكمل البقاء في الوطن بين الأهل والأحبة والأصحاب،
فقد اعتدنا عليهم وترعرعنا بينهم، فالوطن عزيز غال لا مثيل له ولا عوض عنه،
الوطن يمثلنا ونمثله، يشرفنا ونشرفه، يحفظ لنا ماء وجهنا ويصوننا عن المذلة والضياع،
ولنعلم أيضاً أن الله سبحانه بعنايته ورعايته وحفظه معنا أينما كنا،
فنحن نمضي على أرضه تحت سمائه وبين عباده،
ولعلنا نجد مبتغانا في وطننا ولو بعد حين إن حاولنا وسعينا وتوكلنا على الله حق التوكل،
وقد قال ﷺ وهو يهاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة:
«ولولا أن أَهلَكِ أخرَجوني منكِ ما خَرجتُ» – كتاب الاستذكار لابن عبد البر.
الغربة كربة إن لم نستثمرها حق الاستثمار وننهل منها أقصى الطيبات ونكسب منها الثمار في جميع الجوانب المالية والعلمية والاجتماعية والدينية،
وتصبح الغربة كربة عندما نضيع بدوامة الحياة والمشاغل اليومية التي تأخذنا يمنة ويسرة،
نفني أنفسنا بالعمل والدوام والمسؤوليات ظناً أننا نكسب ونربح في حين أننا نخسر الكثير عائلياً واجتماعياً وروحياً خاصة عند فقد الأحبة واحداً تلو الآخر ولم نكن بينهم ومعهم،
كما أننا نكبر ونهرم بعيداً عن مسقط رأسنا وقد فاتتنا الكثير من المناسبات والأفراح والذكريات، وقد قيل:
(الحياة فرصة واحدة فاستغلها جيداً).
الغربة للبلدان الناجحة ذات السمعة الطيبة والصيت الحسن اللماع حلم ومطمع الكثير منا،
لأننا طبعاً ننظر إلى الإيجابيات دون أدنى التفات للسلبيات، نظن الغربة سفينة النجاة السريعة البسيطة السهلة،
ولكن نرفض رؤية الواقع بواقعية وعقلانية،
فكم رأينا من أناس عّلقت آمالها على ركوب سفينة الغربة، ظناً منها أنها سفينة النجاة،
فخسرت دينها وآخرتها وشرفها وعفتها وأهلها وأخلاقها وحياتها..
وهذه الخسارات المتتالية نتيجة الطمع وعدم قراءة الحالة والمستقبل بترو وحكمة، ولعدم تفضيل الدين على الدنيا،
والكثير من قبِلَ الذل والمهانة لأجل الوصول،
ومنهم من تم استغلاله مادياً واجتماعياً،
وبعضهم باع الشرف والدين لأجل الوصول ولكن بعد الوصول، حصل الفشل وقد أصابهم الفقر والحاجة،
ومنهم من توفاه الله سريعاً، ومنهم الذي باع وطنه ودينه العزيز ليغرق في المنكرات واللذات.. فالغربة كربة،
إلا من غادر لأجل الدين لا الدنيا، بهذا أفلح المسعى إن شاء الله.
بلاد الغربة ليست ملعباً أو مرتعاً لارتكاب المعاصي واقتراف الكبائر، لأن الكثير يرى نفسه خارج دائرة الرقابة الأسرية، فلا قرابة ترصده وتلاحقه وتعرفه، ولا رفاق الأهل والحي تراه،
فهو غريب في وطن جديد، لذلك يتجرأ الكثير على الحرمات الجنسية والمالية فيما لا يرضي الله تعالى،
إلا من رحم الله وعاش تقياً وعاد لوطنه نقياً،
العيش في كل مكان وزمان ولو في الفضاء أو على القمر أو في أعماق البحار في أي بلد غريب كان،
يبقى تحت سلطان الله ومراقبته سبحانه وتعالى، فعلينا تقوى الله البصير العليم في الخلوات والسكنات،
قال جل جلاله:
{يَعلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ واللهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد:4].
الاغتراب، بنظر وخيال الناس حبل النجاة وبوابة النجاحات وجمع الأموال، يعتقدون أنها حياة وردية لا أشواك فيها ولا صعوبات،
يظنون النجاح في الغربة سهلة المنال يحصلها الجميع دون مشقة وكبد وآلام،
وهذا للأسف عين الوهم والخيال، فالحياة في كل مكان وزمان شاقة ومتعبة وصعبة،
لن نتجاوزها إلا بشق الأنفس بعد توفيق الله سبحانه وتعالى.
فمن كانت الدنيا همه وشغله الشاغل قد تأتيه بإذن الله ولكن ستأخذه وتشغله عن آخرته وأهله ودينه لا محالة،
ومنهم مهما فعل وسعى فلن تأتيه إلا إذا توجه وسعى لمرضاة الله تعالى وجعل الدنيا آخر همه والآخرة أكبر همه،
فمن فقه ووضع هذه المعادلة بين عينيه أتته الدنيا راغمة دون عناء ودون غربة وكربة، وبيد الله الخير كله،
بعض الناس كانت مستورة ولكن اغتربت طمعاً بالأفضل،
وقد أدركت الأفضل ولكن خسرت الأهل والأرحام والإسلام،
ومنهم من ضاع في الحانات والمراقص،
ومنهم من عمل في أسوأ الوظائف ذليلاً، لكيلا يعود ويقولوا: عاد خاوياً،
«اللهم إني أسألُك من فضلِك ورحمتِك؛ فإنَّه لا يملُكها إلا أنت» – كتاب صحيح الجامع.
الغربة المحفوفة بالمخاطر لا يسلكها العقلاء
لأنها تهلكة وانتحار وضياع، فقد ضاع ومات وأصيب الكثير جسدياً ومالياً واجتماعياً،
مثل من سافر هارباً بين الحدود والغابات والبحار الهالكة ليجد نفسه غريقاً أو تائهاً أو أسيراً عند قطاع الطرق أو قتيلاً برصاص حرس الحدود وأعوانهم،
عدا من ترك والدايه خلفه وهما بأمس الحاجة إليه، وهو يقول قد أذنوا لي أن أدعهم وأسافر، ولا يعلم بأنهما سئما من شكواه وكلامه،
ومنهم من ترك زوجته وأبنائه يصارعون الحياة وحدهم ويخاطرون بين الذئاب دون رقيب وراع، والأولى هو بر الوالدين وحفظهما،
والأولى صون الأهل ورعايتهم وحمايتهم من الأشرار والفساد، فالأمر ليس رحلة أو تجربة ترفيهية،
الأمر يحتاج لترو ودراسة واستشارة واستخارة دون رمي النفس للتهلكة بحجة ستفرج لاحقاً مع التغاضي عن العواقب،
قال تعالى:
{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحسِنِينَ} [البقرة:195].
التواجد والعيش في بلد غريب ليس ضوءاً أخضرَ لسرقة العباد ونهب البلاد والاعتداء على محارم الغرباء وهتك أعراضهم وتدمير حياتهم وأكل أموالهم لأننا غرباء..
فحقوق الناس لا تضيع ولا تتلاشى بل تبقى في الذمة إلى يوم الدين،
لأن الإنسان الكافر له حرمة، وعلينا الوفاء مع جميع الملل والديانات والجنسيات بالعهود والمواثيق واحترام قوانين البلاد المستضيفة لنا،
مع الابتعاد عن أملاك الجميع،
وصون أعراضهم فيما يرضي الله دون إلحاق أذية وضرر، وفقاً للشريعة ثم القانون،
لذلك قالوا: (يا غريب كن أديباً)،
فالأصل بالغربة البحث بشرف وكرامة وأدب عن لقمة العيش والستر،
والعيش بسلام مع الناس لا العكس، والمعتدي شابه اليهود الكفار،
قال الحي القيوم جل جلاله:
{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعلَمُونَ} [آل عمران:75].
وهذا لتعدي اليهود على أموال العرب ظلماً.
فكم من الغرباء أهل الاحتيال والسفه والفسق والفساد تلاعبوا بالعباد والبلاد في الغربة وفرّوا فخلفوا لمن جاء بعدهم أياما عصيبة معقدة وسمعة سيئة رمت بظلالها على المغتربين الجدد ليجدوا مساوئ وسوابق غير مشرفة اقترفها بعض السفهاء من أهل وطنهم.
قال رسول الله ﷺ:
«مَن سَنَّ فِي الإِسلاَم سُنَّةً حسَنَةً فَلَهُ أَجرُهَا، وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا بَعدَهُ، مِن غَيرِ أَن يَنقُصَ مِن أُجُورِهِم شيءٌ،
وَمَن سَنَّ فِي الإِسلاَم سُنَّةً سيئَةً كَانَ عَلَيه وِزرُهَا، وَوِزرُ مَن عَمِلَ بِهَا مِن بعدِه، من غير أن ينقُص مِن أَوزَارِهَم شيء»
– حديث صحيح رواه الإمام مسلم.
نجاحنا في الغربة لا لأننا خبراء ومفكرون نادرون،
لأن كل ذلك بفضل الله وحده لا بفضل عقولنا النيرة أو أسلوبنا المتميز،
ولا يعني أن أهل وطننا دون المستوى والفهم والإدراك والعلم،
خصيصاً أننا نجحنا وهم ما زالوا كما هم!
كسبنا أكثر من كسبهم، خبراتنا تنمو وهم على ماهم عليه! لذا على الناجح التواضع لله لا على العكس!
والمتواضع الشفيق يشكر نِعم الله بأفعاله وأقواله،
قال ﷺ: «ما تواضعَ أحدٌ للهِ إلا رفعَهُ اللهُ» – حديث صحيح.
وقد يحالفنا النجاح مرة ومرات ولكن ليس دائماً،
ولا نريد الهوان والمذلة أن تصيبنا بما كسبت أيدينا،
سليم العقل والقلب تراه يشارك نجاحه أهله وأهل وطنه ينسب الفضل من بعد الله لهم،
لأنهم هم من أوجدوه وعلموه وأعانوه ولو بالدعاء ثم أرسلوه،
تراه معهم يساندهم يعينهم يسعى لهم،
وهذا دأب أهل الفضل والنخوة والمروءة، نحن لا ننسى ولا ننكر فضل الناس علينا، وبعد إحساننا المتواصل لا ننتظر منهم جزاءً ولا شكوراً،
ولا يصح البتة بخسهم ولعنهم وذمهم،
لأنها من أفعال الأشقياء، ولا التعالي عليهم لأنها من أفعال الوضعاء، ولا خير في الوضعاء،
بعضنا يدرك نجاحات طيبة وجيدة في الغربة وينسجم ويتطبع بطباع البلد الجديد،
وللأسف بدلاً من ذكر وطنه ومدح أصله وفصله وحاله وماضيه،
نجده قلب الأمور وأصبح ينكر أبناء بلده وجنسه أو يتناسى أو يتكبر،
وذو الأصل يبقى أصيلاً، كعودٍ زادهُ الإحراقُ طيباً.
الغربة ليست غابة!
الغربة تصدمنا أحيانا باكتشاف شخصيات أنانية حسودة شريرة قاسية تتجرد من الرحمة والأخلاق،
لعل السبب الأكبر الغربة والوحدة وخلو البلد من الأقارب والمعارف،
فيلجأ الإنسان للاعتماد على نفسه بنفسه والسعي على النفع المادي والعملي مهما كان الثمن،
لأن وجوده الأساسي في هذه الظروف سالفة الذكر هو المال،
لذلك المال والمصلحة فوق الجميع وقبل الجميع دون مراعاة مكارم الأخلاق وتعاليم الإسلام،
لأنه يظن الغربة غابة كما أنها ليست بلاده، ونوافعها ستعود على أهل البلد لا على بلده!
والحقيقة أن النوافع ستعم وتنتشر هنا وهناك لأنها تدبير الله فهو مقسم الأرزاق،
نحسب الأشياء تجري كما نرى ونظن، ولكنها تجري بما لا يسع للعقل إدراكه، يقدر الأشياء بعلمه وحكمته فلا نجزع أو نقلق،
قال تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَد جَعَلَ اللهَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدرًا} [الطلاق:3].
يا أيها المضيف، إن الغريب قد غادر بلاده وترك أهله وناسه وجاء على وجهه وحيداً مغترباً،
فارفُق به وأحسن ضيافته واشكر المولى الذي جعل الناس تأتيكم ولا تأتوها،
جعل الناس تقصدكم ولا تقصدوهم،
خاصة وقد أكرمكم الله تعالى بقيادة ضبطت العباد والبلاد بعكس بلاد المغترب التي تموج فيها الفتن وينتشر فيها الفساد والظلمة،
لا تقولوا إنكم أجدر منهم، بل قولوا الحمد لله الذي فضلنا عليهم.
قال الله تعالى:
{وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل:15]،
لأن بلادهم عاث فيها الفساد من كثرة الحروب والاحتلال وأعداء الدين،
كما تهافت الناس ينهضون على بلادكم إلى مراتب القوة والتطور والتوسع،
كل ذلك يعود بظلاله على المواطن وأهله وأحفاده أكثر من المغترب،
فلنراعِ المغتربين خاصة إن كانوا إخوة في الدين، ومن عاداهم ونقم وافترى فقد كفر النعمة وخالف الكتاب والسنة.
لا يشعر بآلام المغترب إلا من عارك الحياة وعاش مغترباً زماناً هائماً على وجهه يبحث جاهداً لتحقيق نتائج مرضية يعود بها إلى وطنه يبني بها طريقاً يسير عليه كريماً إلى نهاية مشوار الحياة.
البلاء الكبير أن يواجه المغترب مواطناً فتاكاً متوحشاً فاسداً ينهش أيامه وأمواله ويقطع عليه طموحاته وطريقه،
يتسلط عليه تسلط الشياطين أو تسلط الكلاب على الفريسة،
لا ريب إن الله يمهل الفسدة الظلمة ولا يهمل في الدنيا ولا في الآخرة،
{وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجرِمِينَ} [الأنعام:147].
هل كان (العربي الأصيل) في الجاهلية والإسلام يضيق الخناق على أخيه المسلم المغترب في معاشه وحياته؟
هل الإنسان (المسلم) يستحقر أخاه؟
هل (المسلم) ذو ندالة وسفالة؟
معاذ الله، طبعاً كلا، لا يفعل ذلك حتى أرازل القوم،
ولم نسمع بذلك إلا نادراً،
لأن الشهامة والتربية والأصالة تأبى على العرب ذلك،
لا يمكن أن يستغل العربي أخاه العربي المسلم أو يحقره لأنه فقط ليس من أهل وطنه وبلده،
(فالعرب) تمتاز بمكارم الأخلاق والسماحة والكرم والغيرة والنخوة، فهذا ما يميز العربي عن غيره، والمسلم عن الكافر،
قال تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10].
هل يصح أخذ رسوم إقامة ومعاملة المغترب المسلم كالأجنبي غير المسلم والتعسير عليه؟
لا ريب أن العرب بعضها من بعض في النهاية، وقد انتقلوا وجاهدوا من اليمن إلى الأهواز إلى حدود روسيا إلى تركيا إلى المغرب العربي إلى الأندلس، فاللغة واحدة، والتاريخ، والديانة، والكتاب، والأجداد، والمستقبل واحد، لا يعارض ولا ينكر ذلك إلا الجاهل المنافق والعدو اللدود،
التاريخ والأنساب والأثار تثبت ذلك بحمد الله وفضله، والمراجع كثيرة وعديدة، فما علينا إلا التعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان،
عدا أن المسلمون كالبناء المرصوص يشد بعضه بعضاً، وأن لحمة الإسلام أقوى من لحمة العروبة،
قال العزيز الحكيم:
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ} [الأنبياء:92].
يضيق بعض المواطنين ذرعاً بالمغتربين، يظنون الظنون حول نجاح المغترب،
تضيق أنفسهم ثم تصغر الدنيا ببصرهم وبصيرتهم ثم تجدهم يضربون أخماساً وأسداساً من تحليلات وتوقعات وظنون على ماهية طرق وأسباب نجاح المغترب في هذه البلد!!
لماذا لا ينجح المواطن مثله أيضاً؟
ثم يسرح المواطن الفطن في لصق اتهامات على المغترب، فاسد محتال سارق كذاب!
ثم يتطور الأمر ليصبح حسداً ثم حقداً ثم أذىً.
وتلك كلها من خطوات الشيطان وقد فعلها الشيطان عندما قال لله تعالى عن سيدنا آدم عليه السلام:
{أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} [الأعراف:12].
فأصبح من الخاسرين رجيما ملعوناً إلى يوم الدين.
قال ﷺ:
«لا تَحاسَدُوا، ولا تَنَاجَشُوا ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يَبِع بَعضُكم على بَيْعِ بعضٍ،
وكُونوا عبادَ الله إخوانًا،
المسلمُ أخُو المسلمِ لا يَظْلِمُهُ ولا يَخْذُلُهُ ولا يَكذبه ولا يَحقِرُه،
التقوى ههنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بِحسبِ امرِئٍ من الشر أن يَحقِرَ أخَاه المسلمَ،
كُلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: دَمُهُ ومالُهُ وعِرضُهُ»
– حديث صحيح رواه الإمام مسلم.
هل جزاء الزوج الذي كابد الاغتراب لبلاد الغرب الإحسان أم الانفصال لأن الدول هناك تناصر المرأة؟
هل الزوجة المسلمة تبادر الركون إلى قوانين الغرب الخاصة بالمرأة بدلاً من قوانين الإسلام؟
وإن كانت ترى الزوج غير صالح لها وتريد الطلاق فلماذا تنتظر حتى تصل إلى بلاد الغرب؟
لماذا لم تقبل بالصلح الموافق لشرع الله العزيز الحكيم والتسليم له؟
“ومَن ذا الَّذي تُرضى سَجاياهُ كُلُّها”
التساؤلات كثيرة لا حصر لها،
ويظهر أن الفاعلة لذلك كله من دون سبب شرعي وجيهٍ ليس من الوفاء بشيء، ولا يرضي الله عز وجل،
والطريق المنتهج لن يؤتي أكله بعد حين، لأن المسار كان خاطئاً!
على المواطن أن يفتح عقله جيداً قبل عينيه،
لأن أكثرهم من يغلق عقله ويفتح عينيه،
المواطن عليه أن يعي أن المغترب دخل بلاد الغربة بأمر من الدولة المستضيفة،
دخل رسمياً بموافقة عالية القوم بموافقة قادة البلاد بموافقة أصحاب الشأن والسلطة،
فلا خيار للمواطن إلا توكيل الأمر لأهله بدلاً من بث الفتنة والتفرقة وزعزعة الاستقرار،
كما أن عليه أن يشكر الله تعالى ليلاً نهاراً سراً وعلانية بأن الله سبحانه جعل بلاده مقصداً للناس وفضلها وفضله على باقي العباد والبلاد،
فكم من بلاد نهضت وازدهرت بأيدي المغتربين، كما حدث لأمريكا وكندا وأستراليا ودول الخليج،
كذلك في تاريخنا الإسلامي كم من الناس غير العرب أفاضت على البلاد الإسلامية والإسلام بالخير والعلوم مثل:
البخاري، والترمذي، والغزالي، وسيبويه، والخوارزمي، والرازي، وابن سينا، وابن بطوطة، والزهراوي.. وغيرهم الكثير،
الإنسان المتحضر لا يتزعزع ولن ينقص من قدره ولا من رزقه حين يتقبل ويتفهم الغربة والمغترب وأن الأرزاق تأتي من الله سبحانه من خلال الناس بعضها البعض، قال الله تعالى:
{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحمَةَ رَبِّكَ نَحنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعنَا بَعضَهُمْ فَوْقَ بَعضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعضُهُمْ بَعضًا سُخْرِيًّا وَرَحمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجمَعُونَ} [الزخرف:32].
الذي أراه ينطقني.
