{وَقُلِ اعمَلُوا} [التوبة:105].
وقال تعالى:
{وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ الله وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله} [المزمل:20].
{فَابْتَغُوا عِنْدَ الله الرِّزْقَ} [العنكبوت:17].
{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرضِ وَابتَغُوا مِن فَضلِ الله} [الجمعة:10]،
جميعها توصيات للمبادرة والعزيمة والأمل والحركة،
فأخذها بركة وتركها حسرة، وإن الله خلق الأيدي لتعمل،
وَعَن الْمِقدَامِ بْنِ مَعدِ يكَرِبَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((ما كَسَبَ الرَّجُلُ كَسبًا أَطيَبَ مِن عَمَلِ يَدِهِ)) صححه الألباني.
والمعنى أكثره ربحاً وبركة .. كالطبيب والكاتب، والمعلم، الفلّاح، الحداد، النجار، الجلاد، العطار، الحلاق، الصباغ، الدباغ، الطباخ، القصاب، الرسام، النحات وعامل النظافة، وعمال البناء وعمال المصانع، والسائقين.. الخ،
كلها مهن مطلوبة ومهمة في كل مدينة وحي،
عدا المهن الحديثة العصرية وكلها نافعة ساترة،
تحفظ ماء الوجه عن السؤال والمذلة، فالمهن عديدة وكثيرة، من جد وجد ومن سار على الدرب وصل.
الاختراعات الناجحة النافعة لم تخترع بيوم وليلة،
بل سنوات كانت نتاج تجارب طويلة متكررة وعديدة، أصحابها لم يكلوا أو يملوا ومع الأمل أوجدها الله لهم ثم انتشرت وربحت، ومن الفشل إلى النجاح:
(أحد أشهر هؤلاء هو توماس إديسون، الذي يُنسب إليه اختراع جهاز إرسال الهاتف والمصباح الكهربائي والفونوغراف المصنوع من الكربون، في الواقع، استغرق الأمر ألف محاولة فاشلة قبل أن يخترع أول مصباح كهربائي).
وكان من دعاء النبي ﷺ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبنِ وَالْهَرَمِ والْبُخلِ…)) حديث صحيح رواه البخاري.
وكلما تعمقنا في الأعمال والمهن بشتى المجالات زادت قيمتنا وخبرتنا وثقافتنا فالعمل ينتج رجالاً وخبراء،
كما ينبغي تجربة صغار الأعمال وكبارها إن استطعنا كسباً للخبرات فالتنوع قوة، لأن بعد التجارب العديدة سنجد أنفسنا في مكاننا الصحيح، ولعلنا نحتاج هذه الخبرات يوماً ما، لإسلامنا، لأنفسنا، أبنائنا، جيراننا، وطننا…
ماذا يحتاج الناس والسوق؟
يحتاجون حسن الخلق، الأمانة، الإتقان، ومعرفة الحلال من الحرام، لكيلا نظلم الناس أو نأكل الربا أو نغش العباد،
قالَ أمير المؤمنين عمرُ رضي الله عنه:
((لا يبيعُ في سوقِنا هذا إلَّا مَن تفقَّهَ في الدِّينِ)) – رواه ابن كثير في مسند الفاروق رضي الله عنه.
وعلى كل صاحب مهنة ورب عمل التفقه بجوانب مهنته وتعاملاته تفادياً لأكل أموال الناس بالباطل ظلماً أو غبنهم، والعلم لله الحمد الأن يتواجد بين أيدينا بكل يسر،
كما يمكننا أيضاً استفتاء الكثير من العلماء الأجلاء عبر مواقعهم وصفحاتهم الإلكترونية،
والسؤال مفتاح العلم، فلا عذر لإنسان خاصة في هذا العصر الحديث، كل ذلك يحمينا وأبنائنا من عواقب المال الحرام الذي يأخذ الإنسان وأهله ويحجب الدعاء.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عمن يأكل الحرام ويدعو الله:
((…يمدُّ يدَه إلى السَّماءِ يا ربِّ يا ربِّ ومطعمُه حرامٌ ومشربُه حرامٌ وملبسُه حرامٌ وغذِّيَ بالحرامِ فأنَّى يستجابُ لذلِك)) -صحيح الترمذي.
النصح عند المتاجرة،
عَن أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((خَيرُ الْكَسبِ، كَسبُ يَدِ الْعَامِلِ إِذَا نَصَح)) – الجامع الصحيح للسنن والمسانيد.
والنصح يكون من بداية التعامل إلى نهايته، وأرباب العمل النصحاء الكرماء مع عمالهم وعملائهم يزدادون سطوعاً ونجاحاً، بعكس المخادع الشحيح كثير الحلف قليل المصداقية، يضيّق على عماله ويدعي القلة وكثرة المصاريف ثم يسألهم أكمل العطاء والتفاني، كلاهما ينجحان في النهاية،
ولكن مع الأول البركة والازدهار .. والثاني الضيق والانحصار.
وَعَن رفاعة بن رافع رضي الله عنه َقال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ:
((إنَّ التُّجارَ يُبعثون يومَ القيامة فُجارًا؛ إلا من اتَّقى اللهَ، وبَرَّ وصدق)) -صحيح الترغيب.
زرع السمعة الحسنة في العمل بين الناس سيعود بالخيرات والبركات على البائع والمشتري وعلى العباد والبلاد بإذن الله، وستدل الناس بعضها البعض على ذو السمعة الحسنة، وسيعود هذا بالأرباح والنمو، قد قيل:
(السمعة الجيدة خير من الذهب)،
فرأس النجاح الصدق والإخلاص بغض الطرف عن أوضاع السوق والاقتصاد،
عدا أن الإتقان في العمل وبذل غاية الجهد للناس يولدان مالا نتوقع من النجاح، لأن الناس تبحث وتسعى دائماً على البائع الأمين المتقن، كذلك التجار ستتهافت أيضاً في عرض مالها وجاهها لتشارك الرجل الصحيح. وهذا ما حدث بين امرأة غنية شريفة وبين رجل صادق أمين، فقد وصل إلى خديجة رضي الله عنها خبر الصادق الأمين ﷺ وسمعت من أخبار صدقه وأمانته الكثير، فرغبت في أن تستأجره ليعمل لها في تجارتها، فأرسلت له من يعرض عليه الأمر، فوافق النبي ﷺ.
العمل لا يقوم إلا بتقديم أفضل الإمكانيات للناس وأجودها، كاملة متكاملة، لا نقدم إلا أكملها وأفضلها وأحسنها مهما تعبنا أو انشغلنا أو كنا على عجلة،
بعضنا يقدم للعميل 80% من الخدمات ثم يقصر في العشرين الباقية مللاً أو كللاً أو انشغالاً، فتضيع الثمانون ويضيع الأمر كله،
وهكذا جميع جوانب الحياة
تحتاج أن يكون آخرها أفضل من أولها،
وقد اشتهر السيف الشامي الدمشقي في أرجاء الأرض لقوته وصلابته وحدته، وكان مطلب القادة الصليبين وكان أشهرها (الجوهر الدمشقي)، وهناك حادثة خلدها التاريخ وهي استلال صلاح الدين الأيوبي لسيفه الدمشقي وقطع قضيبين من الحديد قائلاً: (إن سيف العرب حر لا يهان) – صحيفة البيان.
البيئة العملية الصحيحة تولد ناجحين ورواد أعمال.
إن حالفنا سوء الحظ بأناس كسولة أصحاب كفاءة متدنية، شكواها يغلب عملها، فالأجدر الإبتعاد وقايةً من العدوى،
لا يستحسن بتاتاً أن نجالسهم أو نستمد السلبية منهم، فهم يرون مالا نرى! ورضوا أن يكونوا ويبقوا هكذا، والإمكانيات بين الناس تتباين، قد نكون ذو قوة وبصيرة وحنكة ولكننا نتواجد ضمن بيئة محبطة ومحيط سلبي،
مع أننا نملك فكر ورسالة وأهداف كريمة،
ولكننا لسنا في المكان الصحيح، وهذا تماما ما حدث مع النبي ﷺ حين لم يجد من قومه النصرة والدعم والقبول، فهاجر إلى المدينة المنورة واستقبلوه الأنصار ونصروه ﷺ. فقال ﷺ:
((اللهمَّ اغفِر لِلأنصارِ، ولأبناءِ الأنصارِ، ولِأبناءِ أبناءِ الأنصارِ)) – صححه شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند لشعيب.
فالأنصار لهم علينا سابقة فضل إلى قيام الساعة.
الظروف القاهرة
مثل: الحروب، الأوبئة، الأزمات الاقتصادية والسياسية، الكوارث الطبيعية، المرض، تصعّب علينا الحياة والنجاح وقد تخطف منا الآمال وتغير الأحوال وتشدنا للأسفل وإلى الحفر، وهذا ما يحدث حول المعمورة لشتى الناس بغض الطرف عن الدين والخبرة والجنسية والديانة والمكان،
فليس علينا إلا الإستمرار دون يأسٍ، كالطفل يحبو يحاول النهوض فيصطدم هنا وهناك ويتألم ولكنه يستمر،
قال الشاعر أبو القاسم الشابي:
ومن يتهيب صعود الجبال *** يعش أبد الدهر بين الحفر
لأننا قد نكون قاب قوسين أو أدنى من النصر والنجاح ولكن ينقصنا الصبر والإيمان والشجاعة والتفاؤل لبلوغ القمم بعون الله، قال تعالى:
{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3].
– الذي أراه ينطقني.
