للوطن محبة، ومحبة الحي، محبة الجيران والأهل،
هي الطفولة هي الماضي والتاريخ والذكريات والأصحاب محبة لا تقارن لا تضمحل مع الأيام، محبة راسخة في الأذهان، وقد أحب النبي ﷺ مكة المكرمة حبّاً جمّاً ومع ذلك لا يرضى الإسلام أن نجعل الأرض (الوطن) أولى الأولويات عن عبد الله بن عدي بن الحمراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
((واللَّهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللَّهِ، وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إلى اللَّهِ..)) صحيح الترمذي.
حتى من يموت في سبيل الوطن يموت على الشرك، فهي محبة عقيمة تشبه عبادة الطاغوت إلا إذا كانت نيتنا الدفاع عن الوطن لأجل الله عز وجل لا لأجل فلان أو الوطن.
عن أبي موسى الأشعري قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال: الرَّجلُ يُقاتِلٌ حميَّةً ويُقاتِلُ شجاعةً ويُقاتِلُ رياءً فأنَّى ذلك في سبيلِ اللهِ؟
قال: ((مَن قاتَل لتكونَ كلمة اللهِ هي العليا فهو في سبيلِ اللهِ)) صحيح ابن حبان.
مهما بلغت المحبة في قلبنا يوماً ما لشخص ما،
وانفطرت قلوبنا لأجله، وضاقت نفوسنا وتلاشت أحلامنا وما وجدنا خلاصاً إلا برؤية الحبيب والتكلم معه على حساب كرامتنا ومذلة نفوسنا فلا نفعل ولا نرضى ولا نستسلم، لأن الحب كما ألمحنا عزاً وكرامة وراحة وألفة ونقاءً واخلاصاً وطاقة، ليس ذلاً وقهراً وعناءً.
وَإِنِّي وَإِن حنَّت إِلَيكِ ضَمائِرِي *** فَما قَدرُ حبِّي أَن يَذِلَّ لَهُ قَدرِي
– ابن طاهر
فالمحب لا يرضى لمحبوبه التعب والمذلة والمضرة،
ولا نبرر له المبررات، وقد شهدنا الكثير من قصص الحب التي ذلت أصحابها، وأرهقتهم، وأتعبتهم، وجعلتهم يهومون كالمجانين، والسبب الرئيسي التسلية وتعبئة الفراغ العاطفي إن صح التعبير دون أفعال جدية، بل التأجيل والوعود، قال رسولِ اللهِ ﷺ
((لم يُرَ للمُتَحابِّينَ مِثلُ التَّزويج)) -الأحاديث المختارة للمقدسي.
والبقاء في علاقة لا ترضي الله ودون جدية حقيقة فعلية ستعود على العلاقة والسمعة والمستقبل بالذنب والعار وكلام الناس، قال سبحانه وتعالى:
{وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة:189].
المحبة بين الأزواج تنبني على مقومات عديدة:
مودة، رحمة، صدق، إخلاص، احترام، تعاون، تقدير، شكر، رعاية، نفقة، دعم نفسي ومعنوي ومادي وصحي، ويستمر ذلك ويتواجد إلى آخر المشوار، دون منة ولا شح، ولا تكلفاً وتأففاً، خاصة عند وقوع الخطأ والذنب،
وقد قيل: (ويعذِرُهُ يوما إذا هو أذنبا)،
خاصة عند الخلاف أو الشقاق لا قدر الله، لأن عند حدوث الخلافات أو الشقاق يظهر جلياً قيمة ومعدن وتربية وإيمان الزوجان أو الطليقان.
قال ربنا سبحانه وتعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعرُوفٍ أَوْ تَسرِيحٌ بِإِحسَانٍ} [البقرة:229].
محبة الإخوان، أن تشتهي لأخيك ما تشتهي لنفسك…
دون طمع دون حقدٍ، دون منةٍ دون حسدٍ، لأنكما من نفس الدم، نفس العائلة، بعضكما من بعض،
تختار له كما تختار لنفسك، تتمنى له كما تتمنى لنفسك، وتسعى لتحقيق ذلك، ولا ريب مهما حالفك الحظ من صحبة كريمة فالأخ القريب على رأس القائمة والأولى عن الغريب، وهكذا الأقرب فالأقرب.
قال النبي ﷺ: ((والذي نفسُ مُحمَّدٍ بيدِهِ لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يُحبَّ لِأَخِيهِ ما يُحبُّ لنفسِهِ من الخيرِ)) – صحيح الإمام النَسائي.
وكم وجدنا من أخوة ساندت بعضها حتى وصلت للقمة،
وقد رأيت شراكة بين اخوة كانوا في فقر وقلة،
وعندما تعاونوا أبدعوا، لكل منهم ميزة وشخصية وصفات وجهود تظافرت فنجحت نجاحاً عريضاً، قال تعالى لسيدنا موسى ﷺ:
{سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ} [القصص:35].
قيل في محبة الأصحاب:
رُبَّ أَخٍ لي لَم تَلِدهُ أُمّي *** يَنفي الأَذى عَنّي وَيَجلو هَمّي.
_ الشريف الرضي
والأصحاب في الحقيقة نعمة من نعم الله التي يهبها لمن اصطفى خاصة إن كانت صالحة،
فكم من أصحاب ساندت بعضها البعض إلى أن وصلت القمم، وهزمت العدو، وكم من صحبة صالحة أعانت عوائلاً، ونشرت الخير ووقفت مع المظلوم، وزلزلت الظالم، وبثت العلم، وساهمت في المجتمع مساهمات رنانة فعالة.
وخير صحبة تُضرب بها الأمثال وتدرّس للناس ويفتخر بها العرب والعجم هم صحابة رسول الله ﷺ.
وقد مدحهم الله سبحانه وتعالى فقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الفتح:29]
وقد أوصى بهم رسول الله ﷺ: ((أكرِموا أصحابي؛ فإنَّهم خِيارُكم…)) _ حديث صحيح.
فالله الله في الصحبة الصالحة لا تتغافل عنها ولا تستهين بها ولا تتعالى عليها، كن لها ومعها بالنصح والمعونة والخير والبر والسؤال والدعم بكل الوسائل الممكنة،
وأدم التواصل ولو أنقطعت الاتصالات وتفرقتم في البلدان، وتواضع واذكر محاسنهم، واسع في حوائجهم، لتنال الخيرية عند الله تعالى، قال ﷺ:
((خيرُ الأصحابِ عندَ اللهِ خيرُكم لصاحبِه..)) _ صحيح الترمذي.
الوالدان وما أدراك، لا أغلى منهما ولن تجد مثلهما…هما الدر والياقوت، هما العينان هما الداعمان الصادقان الساهران الطيبان الكريمان … وقد أوصى الله بهما:
{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحسَانًا} [الأحقاف:15]،
فهما الأصل، ولا نجعل معهما أحداً، لا زوجاً لا زوجة لا ولداً ولا صاحباً ولا عملاً ولا مالاً… هما الجنة أو النار، عن أبي بكرة مرفوعاً:
«كلُّ الذنوبِ يُؤَخّرُ اللهُ منها ما شاءَ إلى يوم القيامة إلّا عقوقُ الوالدين، فإنّه يُعَجَّلُ لصاحبه» _ رواه الحاكم في المستدرك.
- الذي أراه ينطقني.
