دول وشركات عملاقة نجحت وسيطرت ونمت وقامت بسبب عائلات وأرحام مترابطة، ساندت بعضها البعض وتكاتفت فأفلحت، لا يعني أنهم لم يمروا بخلافات وأزمات، ولكنهم طووها ووضعوها جانباً ومروا عليها مرور الكرام، ومن يعود إلى الزمان قليلاً يجد الكثير من الشركات العالمية بنيت على دواعم عائلية، مثل:
شركة سامسونج، شركة فورد للسيارات، وشركة هونداي، وشركة مراعي السعودية، وشركة جرير السعودية، وشركة عبد اللطيف جميل السعودية، وشركة المنصور المصرية، شركة الحافظ للصناعة السورية.
علينا النظر الى أعالي الجبال ومعالي الأمور، لأن الوقوف على صغائر الامور وسفاسفها سيجعلنا لاحقاً خلف الركب، سنكون خلف الناس سنتراجع سنندم سنتعب،
فصغائر الأمور من خلافات ونزاعات وخصومات تدخلنا في دوامة لا نجاة منها إلا بالقطيعة والفشل،
خاصة من يخاصم ويفجر ولا يرضى ولا يصالح،
وقد قال ﷺ: «أبغَضُ الرِّجالِ إلى اللَّهِ الألدُّ الخصِمُ» -صحيح الترمذي.
وكم من شركات كبرى كانت في رأس الهرم تمزقت لأجل خلافات عائلية،
وكذلك ممالك حكمتها عائلات تلاشت وأكلها العدو،
وهذا ما حدث في العصر العباسي، حين اختلفا الأمين والمؤمن على الخلافة، وكان ذلك بسبب تدخل شرار الناس ورمي الفتن بينهما، عفا الله عنهما، قال تعالى:
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46].
الزواج والعمل والمشاركة والتعامل مع الأرحام يبقى وما يزال الطريق الأنسب الأربح للجميع، لأن المنافع والعوائد ستعود على الجميع، المصاعب والمصائب سيحملها ويساندها الجميع، عوضاً عن البركة ورضى الرحمن،
وهذا ما تفعله القبائل، فهي تقوم تنافح عن بعضها البعض حين الأزمات، وتضرب بيد واحدة من حديد لكل من يعاديها، وهذا ما فعلته قبيلة تغلب وقبيلة بكر وهما أبناء عمومة، حين قاتلوا مملكة كندة، وقتلوا أحد سادتها لأنه طغى على امرأة تغليبية،
وكذلك قامت الخلافة الأموية والعباسية والعثمانية والدولة الحمدانية الحلبية، عوائل ساندت بعضها بعضاً في السراء والضراء،
{وَأُولُو الْأَرحَامِ بَعضُهُمْ أَوْلَى بِبَعضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال:75].
الأقارب من النسب، كل من تصلنا بهم صلة من الآباء والأمهات، ثم الأباعد من الأقرباء، ثم أصدقاء الآباء وصديقات الأمهات صلتهم ممدوحة في ديننا النفيس،
«إن أبرَّ البرِّ صلةُ المرءِ أهلَ ودِّ أبيه بعد أن يوليَ» صحيح أبي داود.
فالمسلم لا يترك قرابة قريبة أو بعيدة إلا وسأل عنها وتواصل معها، ولم نجد شخصاً كان ودوداً إلا نفع وانتفع، إلا بارك الله به وبسط له في رزقه،
وقد رأينا من يصل أقاربه كلهم القريب والبعيد،
ويسارع في دعمهم والإنفاق عليهم، والسؤال عنهم،
حتى أنه كان يدفع أجار منزل زوجة خاله الستينية المطلقة، التي لم يراها منذ 30 عاما تقريباً، ولكنه سمع أنها لا تملك أجار المنزل، حتى أنه يعطي ويسعى في زواج شباب عائلته الذين لم يراهم سابقاً إلا مرة أو مرتين بسبب الغربة،
عدا الرواتب الشهرية التي يصرفها للأعمام والأخوال والخالات وأبنائهم، والجميل أنه لا يقول:
أين أبناءكم، لماذا لا ينفقون عليكم؟
ولا يسأل كثيراً، بل يعطي ويصلهم، والرب سبحانه يعطيه جزيل العطايا،
{وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد:21].
أرحامنا أولى الناس بنا في جميع المجالات والمبادرات لأنهم الأولى والأجدر دون منازع، ولهم علينا المساعدة والمساندة دون تفضل أو منّة، العائلات المرموقة تجدها متكاتفة متواصلة، ومهما حدث من منغصات ومهاترات وضعف! تبقى صلة الأرحام قائمة لا تنكسر، لأن يد الله مع الجماعة، والمسلم يعرف حق الأرحام لأنها من أجلّ الحقوق والطاعات، والإنسان لا يعادي نفسه،
فالأرحام هم العصبة وعصب الحياة، وإن حدث ووجدنا ما يعكر صفوها من عدوان وظلم،
فلا تأخذنا العزة بالإثم، لأن بعضنا من بعض، بل ندفع بالتي هي أحسن،
وهذا ما قاله المقنع الشاعر العربي النبيل:
أراهم إلى نصري بِطاءً وإن هُم *** دعوني إلى نصر أتيتُهم شدّا
فإن يأكلوا لحمي وفرتُ لحومهم *** وإن يهدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا
نتعجب لمن يبر ويصل أرحام زوجته دون كلل أو ملل، ويتباطئ عن صلة رحمه ويهجرهم هجر اللئام،
الأغرب من ذلك كيف أن الزوجة ترى لنفسها ما لا تراه لزوجها ورحمه، فهي تبادر لصلة أرحامها، وتتكاسل عن صلة أرحامه، لعلها واجهت بعض الإنتقادات لذلك تراجعت،
أو شعرت بالوحدة، أو تأثرت بقصص سلبية من الجوار، وكل ذلك ليس بإعذار منطقية،
كما لا يجوز أن تعين الشيطان على زوجها وتأمر بالمنكر والقطيعة،
بإمكانها أن تمتنع عن الذهاب إن دعت الضرورة،
ولكن لا تمنع زوجها وأبنائها عن زيارة أهله وأقاربه،
بل تعينه وتنصحه وتذكره، وتذكر أبنائها أيضاً،
وإني واللهِ لأعلم أنساناً يبر أهل زوجته، ويستضيفهم، ويسعى على حوائجهم،
ومن جهة أخرى، زوجته لا تبر أهله ولا تسعى عليهم،
ولا تريده إلا لها ولأهلها، وأبنائهما بالكاد يتعرفون على أقارب والدهم، قال ﷺ:
«مَن أَحبَّ أن يُبسَطَ له في رزقِه، وأن يُنسَأَ له في أَثَرِهِ،فَلْيَصِل رَحمَه» صحيح الجامع للألباني.
من يعادي الأرحام ويرى أن الأقارب عقارب، فهذا يرى الناس بعين طبعه، لأنه سيء الظن لا يرى إلا المذنب لا يرى إلا الظلام والفشل وإن مر بتجارب سيئة فهذا لا يعني شمل الجميع ولومهم، ومن خاب وخسر من تجربة ما فليعد الكرة بحذر وإتقان وليتجنب نقاط الفشل السابقة لأن التجارب ترجمان العقل،
ومن البلوى أذكر مرة أنساناً كان يمنع اخوانه عن التواصل وزيارة بعض الأقارب، استمر الأمر لسنوات، بعد أن كبروا، أحبوا معرفة السر وراء ذلك، تواصلوا معهم، وجدوا ترحيباً كبيراً، استمر التواصل لسنوات، وجدوهم كراماً صُلحاء،
والسر كان خلافات لأجل الميراث،
فلماذا الإفساد في الأرض والأمر بالمنكر ومنع الناس من صلة بعضها البعض، وما ذنب البقية في خلافاتهم!
قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرضِ وَتُقَطِّعُوا أَرحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعمَى أَبْصَارَهُمْ (23) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:22-24].
الرحم أجدر بالالتزام والإحترام من غيرهم وأولى بالنفع والعون أيضاً عدا عن العفو والتغافل اللذين هما أهم عناصر نجاح العلاقات:
{وَآَتِ ذَا الْقُربَى حَقَّهُ} [الإسراء:26].
فالرحم صلة، وإحسان، وتفضيل، وملاطفة، وتغافل..
وإن أغلب الخلافات والقطيعة سببها قلة الإحترام والتقدير، عدا عن الطمع غير اللازم بالقريب، فيحصل عنه خيبة أمل ثم حزن ثم حسد ثم قطيعة،
ولماذا لا نعطي القريب مثل الغريب،
ولا نحترم القريب مثل الغريب، أيهما أولى، ولا وجه لمقارنة، ولا يبخس القريب إلا الجهلة، من لا يعرفون حق القربة ولا قدرها عند الله ورسوله ﷺ، وأنشد أحدهما معاتباً:
من الناس من يحظى الأباعدَ نفعُه *** ويشقى به حتى المماتِ أقاربه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«يقولُ اللهُ تعالى: أنا الرحمنُ وهي الرحمُ، من وصلَها وصلتُه، ومن قطعَها قطعتُه» – رواه أبو داود.
قال الإمام الذهبي رحمه الله: من قطع رحمه الفقراء وهو غني فهو مراد ولا بد،وكذا من قطعهم بالجفاء والإهمال والحمق.
قال ﷺ: «بُلُّوا أرحامَكم ولو بالسَّلام» أخرجه وكيع في الزهد،
والحديث مرسل ويرتقي بشواهده إلى درجة الحسن، | وبُلُّوا: من البَلل والندواة؛ أي نَدُّوها بصلتها.
قال ﷺ: «إنَّ أعمالَ بني آدمَ تُعرضُ كلَّ خميسٍ ليلةَ الجمعةِ فلا يُقبلُ عملُ قاطعِ رَحمٍ» اسناده ضعيف، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب.
وقال ﷺ:«ما من ذنبٍ أجدرَ أن يعجِّلَ اللهُ لصاحبهِ العقوبةَ في الدنيا مع ما يدَّخِرُ الله له في الآخرةِ من البغي وقطيعةِ الرَّحمِ» رواه أبو داود.
- الذي أراه ينطقني.
