هل الفقر حالة مستعصية؟
أم حالة لا علاج لها؟
أم حالة طبيعية تصيب الجميع؟
لا شك أنها حالة تأتي وتذهب، ونتمنى ذهابها دون رجعة،
وقد صابت الأنبياء والأمم والصحابة والقادة والصالحين والأخيار وحتى الأشرار،
وهناك مقولة منسوبة الى سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال: (لو كان الفقر رجلاً لقتلته).
يمكننا قتل الفقر بالالتجاء إلى من بيده الخير كله،
مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، إليه يرجع الأمر كله،
لا إله إلا هو ولا معطي سواه، الذي أعطى الناس والملوك والتجار والأغنياء، وجعل الأنبياء أنبياءً، يعطي ويمنع، ويذل ويرفع، الواحد الأحد الرزاق، فلا نلتفت إلى من سواه،
وليس هذا الكلام بجديد علينا،
وليس علينا الاقتناع فحسب،
بل علينا أن نستنشقه استنشاق الغريق للهواء.
هل طلب العلم يفيد الفقير؟
يفيد لكي يُخرج نفسه من الظلمات إلى النور، فالعلم نور،
ولكي يخرج من عيشة وحياة الفقر إلى الاكتفاء والقوة،
ولا يرضى أن يمر يوماً لا يزداد فيه علماً لأن نتيجة العلم دائماً قوة وغنى وتمكين وصعود وقيادة بعون الله،
لا نقول أن يصبح عالماً، أو يقطع عمله لأجل العلم،
بل يتعلم أساسيات الحياة في ميزان القرآن والسنة النبوية وفهم الصحابة والتابعين،
ومن هذا العلم الكريم الأدعية النبوية للنبي ﷺ عن الفقر:
((اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بك من الفقرِ والقِلَّةِ والذِّلَّةِ، وأعوذُ بك من أن أظلِمَ أو أن أُظلَمَ)) – رواه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء.
أختنا الفقيرة المسكينة عليها أن تعلم أن أهل الاستغلال والفواحش والحرام كثر، ولن يتوانوا عن شرائك واستغلالك واستعبادك بالمال والمغريات إن التمسوا ضعفك وحاجتك وقلة صبرك وفقرك وضعف إيمانك .. خاصة إن علموا لا سند لك ولا ناصراً، ليس عليك يا أختاه إلا الأعراض عنهم، وطلب العفة بالملبس والنظرة والكلمة، لكيلا يرى الفجار أدنى نقاط ضعفك فيرسموا عليها خبائثهم ومكايدهم،
{ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحتَسِبُ} [الطلاق:2-3].
- نذكر قصة:
شابة اختلفت مع أهلها، فغادرت المنزل تحسب أن مشاهد التلفاز كالواقع، ذهبت لزميلها، بعد انعدام الصديقات،
فاستقبلها في منزله في أعلى البناء بكل لهفة وشوق،
ولم تمر إلا بضع ساعات، حتى انقض عليها يريدها عن نفسها،
فأبت وقاتلت وقاتلت إلى أن لازت بالفرار ثم أدركها مسرعاً بكل قوة وشراسة فلم تجد إلا أن ترمي نفسها فسقطت وماتت رحمها الله، وعفا عنها لأنها ارتكبت العديد من الأخطاء وأهلكت نفسها بنفسها..إياك يا أختاه مغادرة المنزل أو الالتجاء لأحد حتى الصديقات، فلن ينفع الندم بعدها.
بعض الفقراء يستعجلون رزقهم
فتضيق أنفسهم عن الصبر والتفكر والعلم، فيضع ابليس شباكه ليأمرهم بالسرقة والنهب والقتل والسطو والحرام،
فنجد أناساً كرام النسب كرام الأصل كرام المنبت في تدهور وضياع وفشل،
فمن عاجله ابليس وعاجلته نفسه الأمارة بالسوء على تلك المظالم فليستعجل بالتعوذ بالله ومناجاة الله وتلاوة كتابه الكريم ومجالسة شيخاً أو انساناً صالحاً يشاوره في حاله وضعفه،
والحذر من مشاورة الصحبة الفاشلة السيئة،
ومن تصبر صبّرهٌ الله ومن استغنى أغناه الله.
قال العليم الخبير الكريم:{وَمَا تَدرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكسِبُ غَدًا} [لقمان:34].
بعض الرؤوساء والوزراء والتجار والأغنياء يأكلون نصيب الشعب والناس ظلما وعدواناً، ويجندوهم كأحجار الشطرنج لغاياتهم ومآربهم ومكاسبهم، ويشترون الناس ويستغلونهم، قال الله سبحانه وتعالى:
{لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:34].
فلا نعين هؤلاء على الظلم والعدوان ثم نتحجج بالحاجة والفقر، ذلك لن يشفع عند الله القوي المنتقم،
فالإعانة لا تكون إلا على البر والتقوى،
لا نركن ونخضع لمالهم ولا لسلطانهم مهما كانت العوائد نفيسة، واعلم بأنك تختبر من الله تعالى، فهو يسمعك ويراك، ولن يدوم الغنى بيسر وسلامة إن أعنت الظلمة وكنت من زبانيتهم، والحذر من مقولة:
انا عبد لا حول لي ولا قوة!
لأن هذه الحجة ساقطة قانوناً وشرعاً.{أَلَا لَعنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} [هود:18-19].
إطلاق البصر على أطيب الأكلات وأجمل الملابس والسيارات ومشاهدة القصور ومتابعة الأغنياء..
سيولد الحسرة وسيصبح الهم هماً والألم ألماً والفقر فقراً، نفسياً سنتأزم دون أن نشعر، وقد نكفر بالنعم عوضاً عن شكرها، علماً أننا نعيش بخير وستر وسعادة بفضل الله، ولكن بعض النفوس لا ترى إلا المفقود، والأولى غض الطرف عن ملذات الحياة غير المنتهية، لأن البصر مفتاح الشهوات ومولد الرغبات، ولنا في هذه الآية الكريمة العبرة والعظة، قال ربنا سبحانه وتعالى:
{وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِر عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:131-132].
وقد شاهدنا البعض مؤخراً أصبح يكثر من الشكوى والقلة ويكثر من الطلبات والحسرات، وهذا ليس من عوائدهم ولا من طبائعهم، ولكن هناك مؤثرات توثر سلباً من حيث لا ندري على أسلوبهم وسلوكهم، وبعد حين، وجدوا أنها مواقع التواصل، صفحات وأناس وقنوات وأصحاب وزملاء يتابعونها ولكنها تحمل أضراراً جسيمة تزداد مع المتابعة تدريجياً.
لا أعارضكم بأن الحياة شاقة، والحاجات والحقوق كثيرة، وأن الغلاء معانة، والمطالب لا تتوقف، وحسبنا الله ونعم الوكيل، كلنا نمر في أزامات، وتصيبنا المصائب، ونحتاج ونقترض ونقضي ونغرم، ولا حول ولا قوة إلا بالله،
كلنا يطمع أن يعيش حياة رغيدة كريمة،
ولكن الحياة خلقت وخلقنا لنختبر فيها بالسراء والضراء،
في السراء أن نشكر ونعطي وننفع من حولنا ونجتنب الحرام، وفي الضراء أن نصبر ونشكر ونجتنب الحرام،
مرت علينا أياماً قاسية جداً من جوع ومرض ومذلة وتعب وهجرة وبكاء وحزن وظلم..
ولكن هل نخسر فوق ذلك كرامتنا وسمعتنا وشرفنا وشرف آبائنا، ونسأل الناس؟
أم نعيش في عزة نفس وكرامة؟قال ﷺ: ((لَأَن يَحتَطِبَ أَحدُكُم حزمة علَى ظَهرِهِ، خَيرٌ له مِن أَن يَسأَلَ أَحدًا فيُعطِيَهُ أَو يَمنَعَهُ)). _ حديث صحيح رواه الإمام البخاري.
لَأَن تذهب للبرية وتجلب الحطب وتضعه على ظهرك وتعود ادراجك وتدخل السوق وتسعى لبيعه خيرٌ لك من أن تسأل الناس، عندما تزرع هذا فيك، مع الأيام ستجد حلاوتها، وستجد الناس تأتي إليك لتقف معك لأنك كنت مع الله فالله سخرها لك.
سؤال الناس المال قد يتحول لعادة سيئة تنمي الطمع بشدة وتعود النفس على البطالة والكسب الحرام،
وهناك قصة تقول:
بأن هناك عائلة طلبت من عائلة قاتل ابنها الدية،
ولكن طالبوهم بجمعها عن طريق التسول حصراً لا غير أو القصاص، وبعد الموافقة، استمر جمع الدية لأربع سنوات تقريباً، وبعد اكتمالها عن طريق التسول ودفعها لعائلة القتيل، تفاجأ الناس باستمرار العائلة الميسورة بالتسول، لأنها أصبحت عادة ومهنة، وهذه كانت غاية عائلة القتيل، إذلال عائلة القاتل.النبي ﷺ أوصى بالعفة وحفظ ماء الوجه وتجنب سؤال الناس المال إلا مالم يكن هدية او هبة او عطاء،
عن حكيم بن حزام رضي الله عنه، قال: سأَلْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأعطاني،
ثمَّ سأَلْتُه فأعطاني ثمَّ قال: ((إنَّ هذا المالَ حلْوةٌ خضرةٌ فمَن أخَذه بطِيبِ نفسٍ بورك له فيه ومَن أخَذه بإشرافِ نفسٍ له لم يُبارَكْ له فيه وكان كالَّذي يأكُلُ ولا يشبَعُ واليدُ العليا خيرٌ مِن اليدِ السُّفلى)) – صحيح ابن حبان.دواء الفقر من طرق مجربة ومضمونة بعون الله تعالى ولكن نحتاج التزام ومثابرة:
أولها: بر الوالدين قولاً وفعلاً.
ثانياً: الصلاة على وقتها جماعة.
ثالثاً: الأدعية خاصة أذكار الصباح والمساء مع التسابيح.
رابعاً: صلة الأرحام القريبة ثم البعيدة بشكل دائم غير منقطع، والسعي على حوائجهم وإن كنت محتاجاً
خامساً: التصدق يومياً أو أسبوعياً ولو بشق تمرة (الأولوية للأقارب).
سادساً: تجنب اقتراف الكبائر، (راجع كتائب الكبائر للإمام الذهبي، في موقع للمتوسمين).
سابعاً: فعل الخيرات للعباد والبلاد.
ثامناً: رد الحقوق للناس وتجنب الظلم.
تاسعاً: الاجتهاد في العمل بصدق وأمانة.
عاشراً: التسليم لأمر الله وعدم القنوط أو اليأس أو التذمر والمقارنة،
قال ربنا ذو الجلال والإكرام:
{فَأَمَّا مَنْ أَعطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل:5-10].- الذي أراه ينطقني.
