قال النبي ﷺ لِأَشَجِّ عبدِ القيسِ:
«إنَّ فيك خُلَّتَينِ يُحبُّهما اللهُ: الحلْمَ والأَناةَ..» – رواه أبو داود وصححه شعيب الأرناؤوط.
خصلتان يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة
من أراد الدقة والحنكة فليتأن في:
القيادة، والطبخ، والحديث، والأكل، والقراءة، والصلاة، والعبادة، والتعامل، والتجارة، والزواج، والطلاق، والتربية، والسفر، والتعاقد، والشراء، والبيع، والرد على الناس، والعلاج،
كلها جميعها تستلزم منا التّأنّي ومن تأنّى تألّق.
لماذا نتأنى في حين أن العَجول ينجز عمله ومتطلباته أسرع منا بمراحل؟
لأن ليس كل إنجازٍ يخلّف إنجازاً، العجول قد يستعجل في الطلاق فيدمر نفسه وأسرته ويندم،
أيضاً القيادة إما تخلّف حادثاً أو مخالفة،
أيضاً التعاقد إما أن يُخلّف ندماً أو خلافاً،
وكذلك أيضاَ الزواج والتربية،
خلق الله تعالى الدنيا في ستة أيام وهو القادر سبحانه على خلقها بكلمة (كن) فتكون،
ولكن درساً وعبرةً لنا نحن البشر، قال عز وجل:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرشِ} [السجدة:4].
بعد التأني فإن عزمت فتوكل على الله ولا تتردد وترجع وتتأنى ثم تتردد فتدخل في دوامة تفسد الأمور ولا تصلحها، التأني المفرط عن حده يعود بالضرر لا بالنفع،
لا يصح إلا التأني المعتدل دون إفراط ولا تفريط، تأني ثم مشورة ثم استخارة ثم عزيمة وإنجاز،
وقد جاء في المعاني عن معنى التردد: (يَتَرَدَّدُ فِي أُمُورِهِ وَلاَ يَثبُتُ عَلَى رَأْيٍ: يَتَرَجَّح، يَتَرَاجَعُ)،
الحكمة تقتضي علينا التوفيق بين التأني والعجلة.
بعض المواقف لا تحتاج لتأني مطلقاً لأنها معتمدة على السرعة والقرار السريع، مثل:
فعل الخيرات والصدقة والعبادات وصلة الأرحام، والضيافة، وإغاثة الملهوف، والزواج من الزوج الصالح، وبر الوالدين، والبيع والشراء، والتجارة، وطلب العلم، كذلك الفرص النادرة التي قد لا تتكرر، ولكلٍ موقفه ومقاله وحيثياته،
قال تعالى عن المؤمنين: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:61]،
من جهة أخرى علينا أحياناً أخذ الأمور بتروي وتأني مثال ذلك:
الفقير السائل قبل إعطائه المال نسأل ونطّلع على حاله لعلنا ننفعه ونعلمه الاصطياد بدلاً من إعطاءه الصيد وهكذا..
التأني أو المسارعة (لاتخاذ القرارات الصائبة) تحتاجان لذخيرة علمية من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وسنة الصحابة الكرام، حينها سنتمكن من اتخاذ القرارات في الوقت والزمان المناسبين مع الإنسان المناسب، قال تعالى:
{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2].
وَيُزَكِّيهِم: أي يطهرهم من الشرك | وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ: القرآن الكريم.
وَالْحكْمة: السنة النبوية الشريفة، من أفعال وأقوال وتصرفات ومعاملات وقرارات خير البشر ﷺ.
التأني في الحوار والنقاش والتربية، يتيح فرصاً كبرى في تحديد المراد وتوصيل الفكرة،
كما يفتح المجال للطرف الآخر للتصحيح الخطأ والتعديل، فثمار هذه الطرق جزيلة عظيمة تحقق نسب نجاح عالية، وأغلب الناجحين يتمتعون بأساليب بليغة وبارعة في التعبير والحوار والتربية، بعكس من يشتاطون غضباً في حواراتهم أو تربيتهم، مثال ذلك تربية الأطفال،
فأبرز الأضرار الصحية عليهم والنفسية وفقاً لدراسة طبية:
الاكتئاب + آلام مزمنة في الجسم + اضطرابات في النوم + تشوش + ضعف في الشخصية + ضعف في اتخاذ القرارات ولنا في هذه الآية الكريمة عبرة،
قال سبحانه وتعالى:
{اذْهَبَا إِلَى فِرعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:43-44].
الذي أراه ينطقني.
