الشيب والشيخوخة (كبار السن)

ذهب الشبابُ فما له من عودة *** وأتى المشيب فأين منه المهربُ

ضيفٌ ألم إليك لم تحفل به *** فترى له أسفاً ودمعاً يسكبُ.

الشيخوخة والشيب علامات اقتراب الوصول إلى نهاية الاختبار، نهاية الحياة الدنيا،
علامات ترشدنا إلى دنو الأجل “الدار الآخرة”،
علامات لنعلم بأن لا شيء يدوم إلا الحي القيوم،
علامات لنغير أنفسنا ونختم صفحة أعمالنا بأزكى الخواتيم.
علامات تحثنا على تجاوز سفاف الأمور من منازعات وقطيعة أرحام، وتحفزنا للمسامحة والمصالحة والإحسان والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى.

اللهم نسألك حسن الخاتمة،
قال الله تعالى عن سيدنا زكريا ﷺ:

{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} [مريم:4].

الشيخوخة وقار ودليل على مرور هذا الإنسان بمرارة الحياة وضيقها وتكبده العسر واليسر والضيق والحروب والجوع والأزمات والأحزان،
دليل على انهماك بدنه وأعضائه في معتركات الحياة مصاعبها ومصائبها فحق عليه إكمال باقي العمر بما يرضي الله تعالى عنه دون استهتار وتأجيل ومعاص وآثام.
قال الله تعالى:

{ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعدِ ضَعفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعدِ قُوَّةٍ ضَعفًا وَشَيْبَةً} [الروم:54].

والشيخوخة تحمل في طياتها تجارب عديدة وتعاليم جليلة وقصصاً وروايات مضحكة مبكية وغريبة،
فهي الكنز الثمين لمن أراد أن يلقي السمع ويحصد خلاصة الحياة ويتعلم بالمجان،
عدا عن توقير كبار السن واحترامهم عرباً أو عجما في غاية الأهمية في ديننا ومجتمعنا القويم.

قال ﷺ: «إنَّ مِن إِجلالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشيبَةِ الْمُسلِمِ» –  رواه أبو داود.

لا يجوز تمنّي الموت ولا الدعاء بتعجيل الأجل

مهما حدث من حوادث ومهما واجهنا من كربات فلا يعلم الخير وزمن الخير إلا الله سبحانه،
ولعلنا إن عشنا بعدما صبرنا واحتسبنا وجدنا ما يسرنا ويشفي صدورنا، اللهم إنا نسألك الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.
عَن أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قال ﷺ:
«لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحدٌ مِنكُم الْمَوتَ لِضر نَزَلَ بِهِ، فَإِن كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُل:
«اللَّهُمَّ أَحيِنِي ما كَانَت الْحيَاةُ خَيرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَت الْوَفَاةُ خَيرًا لِي»
– حديث صحيح رواه الإمام مسلم.

قال ﷺ:
«لا يتمنى أحدُكم الموتَ، ولا يدعو به من قبل أن يأتيه، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمنَ عمرُه إلا خيرًا»
– حديث صحيح رواه الإمام مسلم.

خير أمة أخرجت للناس، نقدر الكبار في قلوبنا ونفوسنا ونعرف حقهم كما أننا نقدمهم في المجالس والمحافل ونعينهم ما استطعنا إلى ذلك من سبيل،
نؤثرهم على أنفسنا ونصبر على ذلك كما آبدانهم قلما تحملهم وتسندهم بعكسنا تماماً،

وقد قال ﷺ: «كبِّرْ، كبِّر» _ حديث صحيح.

يحثنا ﷺ ويأمرنا على تقديم كبير السن على الصغار.
فالشيخوخة تحتم علينا جميعاً صغاراً وكباراً غرباء وأقرباء وجيراناً كذلك أفراداً وحكوماتٍ ومنشآتٍ أن نفسح لهم ونقدمهم في الطرقات، أن نلين لهم الكلام،
أن نسامحهم على قلة صبرهم أو لصراحتهم أو نقدهم لأنهم يعيشون في أجواء صحية وبدنية ومالية وحسية ضيقة ومنها سيئة فلا يجوز التطاول عليهم وتسفيههم والتقليل من شأنهم كما جاء عن رسول الله ﷺ:

«ليسَ منَّا من لَم يَرحمْ صغيرَنا، ويعرِفْ حقَّ كَبيرِنا» – رواه أبو داود.

الشيخوخة ليست دليلاً على الضعف والهوان أو بوابة للقاصي والداني للملام والعتاب والصراخ والاستضعاف والاستغلال، فهذا والله من أقبح الأفعال وأخبث الصفات. توقير الكبير واجب ديني وإنساني،
والأديان كلها تحترم الكبير وعلى الخصوص قارة آسيا من الصين واليابان وكوريا،
فكيف الإسلام ونحن قدوة العباد فنحن أولى الأمم بتوقير الكبار واحترامهم وتقديرهم.
وقد جاء في الأثر بسند ضعيف ولكن معناه صحيح:

(ما أَكْرَم شَابٌّ شيخًا لِسِنِّه إِلاَّ قَيَّضَ الله لَهُ مَنْ يُكْرِمُه عِندَ سِنِّه).

قال ﷺ: «يهرَمُ ابنُ آدَمَ وتَشِبُّ منه اثْنَتانِ: الحرصُ علَى المالِ، والْحرصُ علَى العُمُر» – رواه الإمام مسلم.

عندما نكبر يكبر معنا حبنا وحرصنا على الحياة والمال لأننا نخاف من المجهول ونخشى الفقر لقلة الفرص وزوال الكسب وضعف القدرة ..
ومن ناحية أخرى إن كنا ذو مال وسلطان أقبلنا على الشهوات لتدارك ما فات قبل الفوات،
فالحاذق الرابح من سعى لتدارك ما فات من الصالحات والعبادات وصلة الأرحام لأنه لن ينتفع في القبر ولا في الحشر إلا من أتى الله بقلب سليم وعمل الصالحات.
قال الله تعالى:

{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون:99-100].

البركة مع كبار السن، وأن المؤمن لا يزاد في عمره إلا كان خيرًا لنا كسباً للرحم والبركة والأجر، وخيراً له كما قال ﷺ: «وإنه لا يزيد المؤمنَ عمرُه إلا خيرًا» _ حديث صحيح رواه الإمام مسلم.

إن الشعوب الإسلامية من أكثر الشعوب إكراماً وتقديراً وإجلالاً لكبار السن، فلا مرور إلى بوابة الجنان ورضى الرحمن إلا من خلالهم،
نحمد الله أننا أمة أوصانا الله في كبارنا وشيوخنا، أمة تقدر الكبير وتنزله منزله،
أمة تكسب جزيل الجزاء برعاية الكبير وكلما زادت العناية والرعاية زاد الأجر،
وقلما نجد عاقاً أو مسيئاً لكبار السن وقلما نجد داراً للمسنين، وإن وجدنا فالأعذار وأسباب.

شبه أحد الأطباء من بلاد الشام الفضلاء ذاكرة كبار السن “بأنها كمجموعة أوراق متراكمة فوق بعضها البعض تهب عليها كل حين من الزمن رياح فتأخذ الأعلى وتترك الأدنى”.،
وهذا ما يجعل كبار السن يسرحون ساردين ماضيهم القديم أكثر من الماضي القريب،
كثيراً ما نجدهم يذكرون بطولاتهم وقصصهم القديمة أيام الطفولة والفتوة والشباب،
لا شك أنها فوائد وعبر تكشف لنا خبرات وتجارب توضح لنا معالم الطريق والمستقبل، ما تلبث هذه القصص أن تنتهي حتى تعود وتتكرر مرات وكرات دون توقف،
في كل فرصة تعود هذه القصص على الساحة لنسمعها، وهذا ما يواجهه الجميع تقريباً،
منا من يضيق ذرعاً ويتأفف ويستهزء بهم لكثرة التكرار ويحرجهم ويكسب الإثم،
ومنا من يقدرهم ويحترمهم ويرفق بهم ويجاريهم بكل محبة وسعة.

الذي أراه ينطقني

مواضيع ذات صلة
الإنسان الاجتماعي
الإنسان الاجتماعي

قيل: (إن للإجتماع روحاً لطيفاً فاعلة في النفوس كل جميل).. والإنسان يحب الاستئناس بالناس، يحب الحوار والأصحاب والجماعات والاجتماعات، ويحب اقرأ المزيد

محبة
محبة

للوطن محبة، ومحبة الحي، محبة الجيران والأهل، هي الطفولة هي الماضي والتاريخ والذكريات والأصحاب محبة لا تقارن لا تضمحل مع اقرأ المزيد

الحب
الحب

الحب ليس تجربة وليس شهوة وليس سباقاً أو تحدياً أو تفاخراً أو عذاباً… الحب يا كرام هو محبة ذات وجوهر اقرأ المزيد

الاختلاط
الاختلاط

الاختلاط قد يرغبه الكثير ويستحسنه، لأن النظر إلى النساء والتعامل معهن ليس بالشيء السيء للنفس الأمارة بالسوء، وكذلك العكس من اقرأ المزيد