على الزوجين هجر كلمة (طلاق) ونسيانها وعدم التلفظ بها لا مزاحاً ولا تهديداً ولا جداً ولا تذكيراً،
فهي كلمة سهلة الخروج عظيمة البلوى،
فإنها إن وقعت مزاحاً أو جداً فقد وقعت ولا رجعة فيها ولا يقبل الاعتذار، وقد نبه وحذر منها رسول الله ﷺ فقال:
«ثلاثٌ جِدُهنّ جدٌّ وهزلُهُنّ جِدٌّ: النكاح والطلاق والرجعة» – صحيح أبي داود.
وقد أودع الله سبحانه هذه الكلمة وجعلها عند الرجال دون النساء لكي تحفظ عن الخروج وتحفظ البيوت من الشتات ولا تُرمى في كل وادٍ وحين.
الطلاق ليس مبدأه الحرب والأذى والأحقاد وتشميت الناس وإلحاق الأذى بالآخر!
بل تسريح بإحسان،
وليس تشهيراً لإثبات المخطئ وفضحه ولصق العواقب عليه، بل تجربة بدأت وانتهت،
والتجارب في كل المحاولات لها بدايات ونهايات منها فاشلة ومنها ناجحة، ومن دفع بالتي هي أحسن وصفح الصفح الجميل وكان مع الله فلن يضيع. قال تبارك وتعالى:
{فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب:49].
وعن عَليٍّ رضي الله عنه قال:
(أحبِب حبيبَك هَونًا ما؛ عسى أن يكونَ بغيضَك يوماً ما، وأبغِض بغيضَك هَونًا ما؛ عسى أن يكونَ حبيبَك يوماً ما) – أخرجه الطبري..
وقد كانا معاً ولعلهما يعودان معاً يوماً ما.
إذا اشتد الخلاف وضاقت الأنفس وانطفأت القلوب ثم لا قدر الله وقع النزاع أو الطلاق،
قال الله تعالى:
{وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} [الطلاق:1]،
فلا يصح اخراج الزوجة من المنزل!،
بل تبقى في منزلها والرجل يجد غرفة أخرى أو يغادر لفترة مؤقتة لعل الله تعالى يحدث بعد ذلك أمراً.
وقد اعتزل النبي ﷺ زوجاته وهجرهن شهراً، ثم عاد إليهن رضي الله عنهن.
إن كان لا بد من الطلاق فلنستنفذ جميع السبل الكريمة لكيلا نندم بعدها ونتحسر، ومن هذه السبل:
دعوة أهل الدين والصلاح لإصلاح ذات البين، وهذا أمر الله عز وجل، ولنستعن بالصلح ولا نتكبر على المصالحة،
وإن أحست الزوجة من زوجها الكراهة والجفاء فلتسع لتغير سلوكها للأحسن،
وتبدل القبيح بالحسن ما تستطيع من صفات وعادات ليعود الود بينهما،
فإن وجدت الطريق مسدوداً فلا تلتجئ للطلاق والشقاق بل إلى ما يحفظ حبل العلاقة الزوجية لعل الماء يعود لمجراه يوماً،
قال الله تعالى:
{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء:128].
أغراض وممتلكات الزوج/الزوجة الشخصية أمانة وأخذها سرقة وتعدٍ، وليس من حق أحدهما منع الآخر حقه أبداً فالمسلم لا يسرق ولا يكذب ولا يخون،
نردهم بإحسان وعجالة دون نقصان أو ضرر.
لأنها أمانة في أعناقنا، وعند الرد نُشهد الأهل أو الناس على ذلك إن وجدت الفرصة،
قال تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58].
الصداق/ المهر/ الذهب من حق وملك المرأة فالمهر كان مستحقاً عند أول الزواج، والتراخي برد الحق والمهر مماطلة آثمة وظلم وسرقة لحقوق الناس. والقضاء الشرعي هو الفاصل للنزاعات فلا نتبع المزاج وبعض الأقاويل من الذين لا يفقهون حديثاً،
والتعدي على مهر المطلقة/الأرملة وأموالها والمساومة والتعجيز على ذلك من أشنع الصفات وليست من أفعال الرجال بشيء،
قال الله تعالى:
{وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} [البقرة:229].
لا يحق للوالدين عرقلة رجوع الزوج لزوجه أو منعهما من ذلك، فالزوجان أعلم بحالهما من غيرهما وقد أذن الله تعالى لهما بالرجوع والبدء من جديد فالصلح خير. كما أن الذي لا ترضاه لنفسك فلا ترضاه لابنتك أو ابنك،
قال تعالى:
{لَا تَعضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعرُوفِ} [البقرة:232].
فكم من أسرة حبست ابنتها عن زوجها حقداً فتشتت الأسرة ظلماً وضاع الأبناء بينهما،
وكم من أسرة طيبة راشدة لمت شمل ابنتها مع زوجها فعاشا معاً وأنجبا براعماً كريمة بفضل الله.
لا يجوز الانتقام من الأطفال بسبب الطلاق من قسوة وغلظة، وهم على ما هم فيه من الخيبة والفراق والنقص والشتات، ولنحذر من إهمالهم لأنهم بأشد الحاجة لنا بكل ما تعنيه الكلمة أو سيجدون ما يعوضون به النقص من خلال طرق لا يعلمها إلا الله، ولا يحل مطلقاً حرمان الأطفال من والديهما فهذا عين الظلم،
والأبناء ليسوا ورقة ضغط نضغط بها على أحد الأطراف قبل أو بعد الطلاق وقد قال تعالى:
{لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة:233].
فأطفالنا فلذة أكبادنا وأمانة في أعناقنا.
النفقة على المطلقة والأبناء واجبة وهي دين بذمة الزوج، وأمانة بذمة الزوجة،
ولا يحل لها هدر المال والسرف ووضعه في غير موضعه، والقانون هو الفاصل،
فالنفقة بالمعروف كما تعارف عليه الناس،
ولا يجوز للمرأة استغلال النفقة فيما لا يرضي الله تعالى والبخل أو حرمانها عن الأطفال… لا ضرر ولا ضرار.
قال رسول الله ﷺ:
«ما من يومٍ يصبح العبادُ فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر:
اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً» – حديث صحيح رواه الإمام مسلم.
إفساد الأزواج على بعضهما البعض من أعمال السحرة والشيطان الذين يفرقون بين المرء وزوجه،
ومن كان يظن أن التفريق ضرورياً!
فالتفريق بينهما لا يكون إلا لأسباب معتبرة عن طريق أهل العلم القضاة بميزان الشرع مثل:
شرب الخمر، ترك الصلاة، اقتراف الكبائر..،
لا بميزان الهوى والعصبية أو الحسد والحقد،
لا يجوز بتاتاً هدم البيوت وتشتيتها وقطع العلاقات والأرحام لأجل خلافات شخصية أو أسرية انقلبت انتقامات وعداوات بربرية،
قال ﷺ: «ومن أفسدَ امرأةً على زوجِها فليسَ منَّا» – أخرجه أبو داود والنسائي.
الذي أراه ينطقني
