القوة والمال والنجاح ثمارهم لنا وللوالدين والأقارب ثم الأباعد، لا يوجد في المجتمع العربي الإسلامي مفهوم الأنانية التي تولد أنانياً يرغب بنفسه عن أهله وأقاربه،
وإن وجد فالسوء فهمه وفساد طبعه،
فالمسلم مأمور بالنفقة والعطاء ومد يد العون بكل ما أتاه الله من قوة،
لا يجعل أهله عالة بين الناس ولا يرضى لهم بالذل والحاجة والفقر، كما أن الولد كله لوالديه حتى كسبه.
قال ﷺ: «إنَّه مِن أطيَبِ ما أكَلَ الرَّجُلُ مِن كَسْبِه، وولَدُه مِن كَسبِه» – رواه أبو داود.
فللأبوين الأكل من مال ولدهما بالمعروف،
بل الولد يسعى في حوائجهما دون أن يطلبا منه ذلك،
فالأبناء مأمورون بإعانة والديهما على الدوام لأنهما من أولى الأولويات وأحق الناس بكل شيء.
الدراسة لا تجعلها المعول الرئيسي في حياتك ولا تكن من دونها صفراً،
لأن الخبرة العملية مهمة للغاية ومن وافق مع عمله الدراسة خير ممن درس ثم عمل،
لأن الخبرة العملية تعطي الإنسان عمقاً وفهماً وتجربة، بعكس من درس ولم يخالط ويعايش ما درسه،
فالكثير من رجال الأعمال وأغنياء العالم لم تكمل دراستها مثل: بيل غيتس، لاري أليسون، ستيف جوبز…
ولا شك أن المتعلم خير وأحب إلى الله من الجاهل ولكن للناس ظروفاً وعقولاً،
أما تعلم كتاب الله والسنة والأخلاق والبيوع الإسلامية والفصاحة واللغة والأدب من الأولويات،
لأن الجاهل وإن كان طبيباً أو مهندساً أو رجل أعمال ولا يعلم حدود الله وسنة رسوله أكل حقوق الناس ظناً أنها كياسة،
وأكل الربا جاهلاً، وأطعم نفسه وأهله الحرام فحالف الشيطان وخالف الرحمن.
قال ﷺ: «طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ، وإِنَّ طالبَ العلمِ يستغفِرُ له كلُّ شيءٍ، حتى الحيتانِ في البحر»
– حديث صحيح أخرجه ابن ماجه.
إخوتك هم أعضاء جسدك فأحفظهم لا تخسرهم وإن خسروك ولا تمنعهم وإن منعوك ولا تتكلم عنهم وإن بهتوك.
كن لهم نبراساً بالأخلاق وبالعون باسلاً ولا تفضل أحداً عليهم مهما حدث،
ومهما حدث لا تشمت الناس بكم، فكل العداوات تندثر يوماً ما وتصبح نسياً منسياً،
وكم من متخاصمين التقوا فتصافحوا وتناسوا الماضي والنزاع.
قال رسول الله ﷺ:
«تُفْتَح أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشركُ بِاللَّهِ شيئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحنَاءُ،
فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصطَلِحا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصطَلِحا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصطَلِحا»
– حديث صحيح رواه الإمام مسلم.
وقد شهدت حادثة، أحد الأقارب قاطع أخاه الصغير يوماً لأسباب وظيفية لا تذكر، امتنع عن السلام والكلام ثم ذهب لمنزله وطرق الباب ثم سلم وصافح ومضى، ولاحقاً أصبحت عند الكبير عادة،
كلما اختلفا في نقاش أو حوار أو سمع شيئاً، يقاطع الصغير، فلا سلام ولا كلام،
دون معرفة السبب يذهب الأخ الصغير لمنزله يعيد الكرة مصالحاً.. ذهب ثلاث مرات،
وعند الرابعة اتصل اتصالاً ولم يجب ثم أرسل رسالة، ثم أرسل له الهدايا والمعايدات،
والكبير بالمقابل لا يرسل ولا يسأل ولا يهتم ولا يشكر.
قال تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسراء: 84].
رجولتك وشجاعتك تكون على الأعداء والظلمة ولا تكن ضد الوالدين والأقارب،
فانتصارك عليهما خسارة وليس نصراً،
لأنك شوهت وهدمت صورتك أمام الله والناس،
وأنكرت العشير وظهرت بمظهر العاق، والعقوق من كبائر الذنوب، والعاقبة خسارة،
قال رسول الله ﷺ:
«ما مِن ذنبٍ أَجدَرُ أن يُعجِّلَ اللهُ لصاحبهِ العُقُوبةَ في الدُّنيا، مَعَ ما يَدَّخِرُ لهُ في الآخِرَةِ، مِن البَغيِ وقطيعةِ الرَّحمِ» – رواه أبو داود.
ولنعلم بأن الولد نتاج أبيه، فالأب سعى واجتهد وتزوج وأنجب لكي يرى سنداً لا عدواً.
لا تكن طفلاً تبكي وتشكو وتجادل عبثاً وتلوم الحال والفقر والفشل،
لا أحد يرغب بالفقر أو الفشل أو الحظ السيء.. فالأمر ليس لك ولا لهم بل قضاء وقدر أو بما كسبت أيدينا،
وقد واجهت الفقر والحاجة والضيق في صغري وطفولتي وكنت أقل الأصدقاء حظاً ومالاً وتعليماً،
ولكن كل ذلك جعلني أرى ما لا يرون وأفهم ما لا يفهمون،
جعلني الفقر والتشرد بفضل الله صلباً قوياً لا أتزحزح أو أذلّ لغير الله تعالى مهما عصفت العواصف..
لقد علمني الفقر شكر النِعم وتقديرها، علمني أن طريق الحلال والمال والنجاح سيأتي ولو بعد حين إن كنت رجلاً تقياً عادلاً مصلحاً لله وكنت على سنة نبيه ﷺ،
فلا تحزن إلا على سوء أسلوبك وضعف إيمانك بالله سبحانه.
الوالدان من أفضل النعم، فكم من يتامى يتحرقون ألماً لفقدهم والديهم، يتمنّون ولو بعض الذكريات معهم،
فالننظر لهما بعين الرحمة والوفاء، ساندهما كباراً كما سانداك صغيراً وادعمها كما دعماك طفلاً وجالسهما ولاطفهما كما كانا معك يافعاً واسمعهما كما سمعوك شاباً وأطعهما كما أمرك الله جل شأنه، لا تكن أنت والناس والدنيا عليهم.. فهما يريدان أعواناً لا أعداءً.
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:23-24].
وقال ﷺ: «رضا اللهِ في رِضا الوالدِ، وَسخَطُ اللهِ في سَخَطِ الوالدِ» – رواه الترمذي والحاكم في المستدرك.
إن أخطأ أحدهما (الوالدان) فكل ابن آدم خطاء فلا تكن كالأطفال تنوح وتسوح بل تجاوز الأمر،
لأنهم ينظرون لمصلحة الجميع وأنت تنظر لمصلحتك الخاصة.
فإن ظلمك أو حرمك أو ضربك أو عنفك أو عاداك أو أقصاك أو تكلم عنك أحدهما أو كلاهما فليس لك من الأمر شيء إلا التسليم والطاعة
والإحسان والنفقة وضبط اللسان أو ستخسر الدنيا والآخرة،
والعاقل الراشد يكسب لا يخسر!
قال رسول الله ﷺ:
«ما مِن مُسلمٍ يُصبح ووالداهُ عنهُ راضيانِ إلا كان له بابانِ منَ الجنَّةِ، وإن كان واحداً فواحدٌ، وما مِن مُسلمٍ يُصبح ووالداهُ عليهِ ساخطانِ إلا كانَ لهُ بابانِ من النارِ، وإن كان واحداً فواحدٌ، فقالَ رجُلٌ يا رسولَ اللهِ: فإِنْ ظَلَماهُ؟
قالَ ﷺ: وإِنْ ظَلَماهُ، وإِنْ ظَلَماهُ، وإنْ ظَلَماهُ، ثلاثَ مرَّاتٍ» – رواه أبو يعلى وحسنه ابن حجر.
إن ساءك فقرهما وقلة علمها ومستواهما الدنيوي..
فلا أنت ولا هما اختارا النصيب والقدر فانظر رحمك الله إلى من هم دونك منزلة..
انظر البسطاء والمرضى والمشردين وارض ودع عنك الأفكار الهدامة.. ومن رضي عاش.
{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعمَةَ اللَّهِ لَا تُحصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:34].
لم يجلب الوالدان أبناءً ليكونوا لهم ضداً وهماً وغماً بل على العكس يريدان من أبنائهما البر والخير، والدنيا تدور وكما تعاملهما ستعامل،
كما تزرع تحصد.
عندما يتنازع أحدهما أي الوالدين مع الآخر فلنكن مع المظلوم ولنحترم الأخر حتى وإن كان ظالماً أو كافراً لا قدر الله.
لأن احترامهما طاعة ودين وواجب،
{أَنِ اشْكُر لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعرُوفًا} [لقمان:14-15]،
كما أننا نطيعهما بالمعروف بما يرضي الله عنا،
وليكن كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ حكما ومرجعاً،
جاء في الموسوعة الفقهية:
(إن كان أحدهما يأمر بطاعة والآخر يأمر بمعصية، فإن عليه أن يطيع الآمر بالطاعة منهما دون الآمر بالمعصية، فيما أمر به من معصية،
لقوله ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»…
أما إن تعارض برهما في غير معصية، وحيث لا يمكن إيصال البر إليهما دفعة واحدة،
فقد قال الجمهور: طاعة الأم مقدمة، لأنها تفضل الأب في البر..).
الذي أراه ينطقني
