العزوبية / الوحدة

قيل أحياناً تكون الوحدة هي الملاذ الوحيد الذي يمكن الهروب إليه من جميع العالم،

وقيل: (خذوا بحظكم من الخلوة).

لا ريب أن الخلوة مطلوبة، وأحياناً (واجبة الفعل) فهي دواء للنفس من قيل وقال وضجيج وأتعاب،

وقد قال أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه : «خذوا بحظكم من العزلة» – رواه ابن أبي الدنيا في العزلة والانفراد.

وقد قال أيضاً رضي الله عنه : «في العزلة راحة من خلاط السوء» – رواه ابن حجر العسقلاني في فتح الباري.

هبوب الوحدة علينا لن يدوم، ومهما دام فلن يطول، فلا نحزن أو ننكسر لأنها حالة مؤقتة ستنجلي قريباً بعون الله، وهي حالة تصيب البشر كافة كما قال العالم (الشامي السوري) عبد الفتاح أبو غدة:

ثمانيةٌ تجري على الناس كلهم *** ولا بد للإنسان يلقى الثمانية

سرورٌ وحزنٌ واجتماعٌ وفرقةٌ *** ويسر وعسر ثم سقمٌ وعافية

تعتبر الوحدة لمن يستثمرها (مكسباً) ومغنما وتطوراً فكرياً وثقافياً ودينياً، كما أنها قوة وتمكين للنفس في الصبر وقلة الكلام إن صحبها قراءة وتدريب (ودروس) (وصنعة) وتعبد، لتجد ذاتها فيما بعد وقد امتلأت طاقة وأهدافاً وإيجابيةً ما أن تضع قدمها على الطريق حتى تشق المستقبل. ونحن لا نحبذ الانعزال عن الجماعة والأهل والصحبة الصالحة لأن ما نفعله عند مخالطة الناس يختصر علينا سنوات من الدراسة والتعلم. مخالطة الناس والصبر على أذاهم خيرٌ من الوحدة والعزلة وقد قال نبيّنا خير البشر سيدنا محمد ﷺ : «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» – صحيح الترمذي.

قال أبو ذر رضي الله عنه : الوحدة خيرٌ من جليس السوء والجليس الصالح خير من الوحدة. – ذكره الحافظ ابن حجر في كتاب الفتح.

فإن وجدنا الجليس الصالح الذي يدلنا على الخير حتى وإن كان (بارد الطبع) قليل الكلام بعيداً عن (هوانا) من نشاطات وأفكار ورغبات… يبقى الجليس الصالح خيرٌ من مصيبة أو غلطة أو كبيرة من الكبائر قد يجرنا إليها الصديق السيئ، فالنظر إلى العواقب هو الأوجب دائماً، ومن أراد مكان الصحبة الصالحة فالمسجد منبع أبطال الحاضر والمستقبل الذين يسقون العباد والبلاد بالخير والعطاء والمعروف والإرشاد، قال تعالى:  {وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ } [الكهف:28].

الوحدة المطولة تفتح عمل الشيطان وتشتت الفكر وتحفز النفس الأمارة بالسوء في الضياع الفكري والديني لتجعل الإنسان يغرق في دوامة فكرية وجنسية ومالية وبدنية لا نهاية لها، فقد سقط الكثير في شراك الشرك بالله واللواط والسحاق والربا والغش والجهل بسبب العزلة الاجتماعية والبعد عن الناس، فقد يكون للعزلة آثار مدمرة أيضاً على الصحة: منها إضعاف مناعة الجسم، وارتفاع ضغط الدم، وتدني القدرات العقلية وقد تزيد من فرص الإصابة بالزهايمر، السمنة، الاكتئاب، مشاكل في النوم..) – موقع طبيب.

إن اختيار العزلة لأسباب نفسية أو فكرية أو لتجارب فاشلة صعبة عشناها عوضاً عن الانخراط في المجتمع والاختلاط بالناس سيذهب منا الفرص والنجاح لأن المحن تولّد منح والمنح تحتاج إلى وقت وتكرار وقوة وشجاعة فلنثبت أنفسنا بين الناس بأنفسنا فإن الوحدة تبدأ من الداخل.

قال تعالى: { فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا} [الجمعة:10].

مواضيع ذات صلة
الإنسان الاجتماعي
الإنسان الاجتماعي

قيل: (إن للإجتماع روحاً لطيفاً فاعلة في النفوس كل جميل).. والإنسان يحب الاستئناس بالناس، يحب الحوار والأصحاب والجماعات والاجتماعات، ويحب اقرأ المزيد

محبة
محبة

للوطن محبة، ومحبة الحي، محبة الجيران والأهل، هي الطفولة هي الماضي والتاريخ والذكريات والأصحاب محبة لا تقارن لا تضمحل مع اقرأ المزيد

الحب
الحب

الحب ليس تجربة وليس شهوة وليس سباقاً أو تحدياً أو تفاخراً أو عذاباً… الحب يا كرام هو محبة ذات وجوهر اقرأ المزيد

الاختلاط
الاختلاط

الاختلاط قد يرغبه الكثير ويستحسنه، لأن النظر إلى النساء والتعامل معهن ليس بالشيء السيء للنفس الأمارة بالسوء، وكذلك العكس من اقرأ المزيد