الفساد

قال الجاحظ:
“لا تجالس الحمقى، فإنه يُعلق بك من مجالستهم يوماً من الفساد ما يعلق بك من مجالسة العقلاء دهراً من الصلاح،
فإن الفساد أشد التحاماً بالطبائع”.
الحقيقة أن الفاسد يحارب الله ورسوله، فالله سبحانه بعث الأنبياء بالحق ليقوم الناس بالقسط والعدل،
وأما الفاسد يسعى لهدم ما يشيده الرسل بالبغي والطغيان وإرهاب الناس وأكل الحقوق بالباطل،
قال الله سبحانه:

{أَلَا إِنَّهُم هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة:12].

الحاجة والفقر والمسؤوليات والأبناء والحياة والغلاء والزواج والمرض والديون والضرورة والشيخوخة جميعهم ليست أعذاراً شرعية أو قانونية لأن نكون مفسدين في الأرض ونأكل حقوق الناس ونتعدى على الآخرين،
كمن يقول عندي مسؤوليات وحياة أعيشها ولا كسب لي إلا أن أشارك الفَسَدة فسادهم وأتسلط على العباد لكي أغني نفسي وأهلي عن الحاجة والمذلة،
وكثيراً ما نرى ونسمع عن هذه العينات الفاسدة التي ستذوق الخذلان والعار والندامة عندما يقعون في شر أعمالهم،
وسيقعون في شر أعمالهم لا محالة فهذه سنة الحياة، قال الله تعالى:

{وَسَيَعلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء:227].

الفساد لا يقتصر على أشياء دون أشياء، فالموظف المسؤول، الشرطي، الضابط، الحاكم،
الذي يرتشي ويعرقل سير العمل على العباد والبلاد يعتبر من أهل الفساد، يستغل سلطته ونفوذه لمنافعه الشخصية والعائلية ويستعلي على الناس بسلطته ويهمل وظائفه ولا يحقق الهدف المرجو منه يعتبر مفسداً في الأرض..
والوالدان اللذان يتركان أبنائهما يصولون ويجولون في أذية أهل الحي يعتبران من أهل الفساد في الأرض،
وكذلك المدير الذي يضيق على موظفيه ويظلمهم ويأكل حقوقهم حسداً وظلما يعتبر مفسداً،
وهكذا كل من طغى وبغى وارتشى وتجبر وتكبر وأضر وأذى العباد والدواب يعتبر من المفسدين في الأرض،
قال تعالى:

{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرضِ لِيُفسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} -البقرة

شعارات أهل الفساد لا تعدّ ولا تحصى،
وكلها عند السفهاء تلامس القلوب وتأخذ منها مكاناً في الفكر والمنطق،
ينخدعون بهم وما يلبثون أن ينفحوا عنهم ظنا أنه الحق،
إلا المؤمنون فهم على نور من ربهم.
ومن هذه الشعارات ما قاله فرعون:

{مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر:29].

وقال عن نبي الله موسى ﷺ:

{يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرضِكُمْ بِسِحرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الشعراء]

وقال عنه أيضاً:

{إنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُم أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرضِ الْفَسَادَ}-غافر

يقولها وهو ملك على قومه وأشرهم منزلة وفي ضلال مبين، ولكنهم للأسف في جهل وسفاهة وضياع وفسوق،

كما قال تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَومَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف]

عدا أن أفعاله ستثبت العكس، وهكذا الفسدة دائماً:

{يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} [الشعراء] :226.

إن فُرض علينا لا قدر الله طريق الفساد بسبب تسلط متسلط أو تهديد مهددٍ وكنا في أزمة وورطة لا يعلمها إلا الله فعلينا مراجعة أهل العلم، مراجعة الصالحين،
وأخذ المشورة منهم وتنفيذها دون تلكك لكي نحرر أنفسنا الإثم والمساءلة ونتخلص من أذاهم وننقذ العباد والبلاد منهم، لأنهم ومن سار معهم عاقبتهما الخسارة والنار،

فالمبررات مرفوضة مهما كانت فلكل ضائقة مخرج،
ولكل نائبة رجال،
كما أننا لا نقبل اعتداء الآخرين علينا بحجة أنهم مجبورون، فهذا لا يقبله منطق ولا عقل،
فعلينا توجيه السلاح على الأشرار لا الأبرياء ولو بزهوق أنفسنا، وهذا ما أقره أهل العلم.

قال الله تعالى: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:77].

البيئة الفاسدة من أكبر عوامل ومصانع الفساد،
فهي تنتج وتسوق الغش، والاحتيال، والتسلط، والتعدي، والربا، والزنا، والرشوة، والمحسوبيات، والنفوذ، وهضم الحقوق، والتكبر والتجبر..
فلا ريب أن الضعيف والجاهل والمنافق سيختار الأسهل ويختار السائد في بلده ويقبل صف المجرمين الفسدة،
فالفساد يجلب الفرص السريعة المربحة أحياناً..
وللأسف هذا ما يحدث ويكثر في الدول الفقيرة أو الظالمة بسبب تسلط ثلة من الفسدة عليهم مما يجعل سكانها يعيشون على نهش بعضهم البعض فيغيب العدل والقصاص وتكثر الضباع، وقد قيل:

(مَن أَمِنَ العُقُوبَةَ أَسَاءَ الأَدَبَ)،
ونحن نبشر أهل الفساد، فكل ما كسبت أيديكم في المحصلة سيكون حسرة وندامة دون مباركة ربانية وتوفيق وستحظون بسوء الخاتمة بإذن الله قال سبحانه وتعالى:

{إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف:23].

كُل ساقٍ سيسقى بما سَقى، هذه سنة الحياة، من يزرع يحصد إن خيراً فخير وإن شراً فشر،
فلننظر أين نتجه ونضع أقدامنا وماذا نزرع،

{وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم:64].

الفاسد لا عهد له ولا ميثاق كأهل النفاق، ولا أمان له كالأعداء، فمن المحال أن يكون على خير مهما فعل أو قال،
قال سبحانه وتعالى: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح:6].
ومن كانت له أعمال قليلة صالحة هنا أو هناك فلن تشفع له حتى يهجر فساده بالكلية ويقطع علاقته مع المفسدين ويعمل عمل الصالحين المصلحين ويرد الحقوق والمظالم لأهلها الصغيرة والكبيرة.

ساحة الفساد مهما كانت مليئة بالمفسدين صغاراً كانوا أم كباراً، أغنياء أم فقراء، أقوياء أم ضعفاء،
فلا نغتر بكثرة السالكين والكثرة لا تبيح أفعالهم وأعمالهم، قال تعالى:

{وَإِنْ تُطِع أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِن هُم إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الأنعام:116].

الكلب إن أطعمته يلهث وإن تركته يلهث.. كذلك الفاسد، فمن شب على شيء شاب عليه،
ومن شاب على شيء مات عليه،
إلا من رحم الله وتدارك نفسه قبل فوات الأوان وتاب وآمن وعمل صالحاً وردّ الحقوق لأصحابها أو ذويهم،
ومن أراد رد الحقوق ولم يجد أحداً منهم بعد عدة محاولات جادة، فجميل أن يتصدق بها عنهم.

قال الله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة:215].

الذي أراه ينطقني

فتاوى ذات صلة
الإنسان الاجتماعي
الإنسان الاجتماعي

قيل: (إن للإجتماع روحاً لطيفاً فاعلة في النفوس كل جميل).. والإنسان يحب الاستئناس بالناس، يحب الحوار والأصحاب والجماعات والاجتماعات، ويحب اقرأ المزيد

محبة
محبة

للوطن محبة، ومحبة الحي، محبة الجيران والأهل، هي الطفولة هي الماضي والتاريخ والذكريات والأصحاب محبة لا تقارن لا تضمحل مع اقرأ المزيد

الحب
الحب

الحب ليس تجربة وليس شهوة وليس سباقاً أو تحدياً أو تفاخراً أو عذاباً… الحب يا كرام هو محبة ذات وجوهر اقرأ المزيد

الاختلاط
الاختلاط

الاختلاط قد يرغبه الكثير ويستحسنه، لأن النظر إلى النساء والتعامل معهن ليس بالشيء السيء للنفس الأمارة بالسوء، وكذلك العكس من اقرأ المزيد