الجهل، العناد، الكراهية، حب الانتصار، والإلحاح، والصراخ
عوامل جالبة للخلاف تعيق التقدم وتزيد من الشقاق،
لن ينتصر صاحبها مهما ظن أنها الحل والخلاص،
ولا تعني الشجاعة ولا قوة الشخصية لأنها تعاكس الحكمة والصواب والأدب،
قال نبينا الكريم ﷺ:
«إنَّ الرِّفْقَ لا يَكونُ في شيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ مِن شيءٍ إلَّا شانَهُ» – حديث صحيح رواه الإمام مسلم.
مهما كنا أصحاب فكر ووسامة وحذاقة وأسلوب وثقافة وخبرة وعلم سنقع لا محالة في وحل الخلاف
لأنها سنة الحياة.. فلا نجزع بل لنأخذ الأمور ببساطة وسلامة،
ولنهجرهم هجراً جميلاً، ولنقول لهم قولاً كريماً، ولنصفح صفحاً جميلاً، لأن ذلك ديدن العقلاء،
فبعد أن حاولوا قتله، ثم نفوه عن أهله وموطنه،
ثم باعوه بدراهم معدودة، ليصبح عبداً مملوكاً،
ثم يسجن، وتضيق عليه الحياة، وبعد سنوات وسنوات من القهر والذل والسجن والغربة، يأذن الله له لتأتيه الفرصة ويصبح سيداً عزيزاً، ثم يتمكن من الذين ظلموه، وهذا ما قاله وفعله معهم حين سنحت له فرصة الثأر،
{قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَد مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصبِر فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجرَ الْمُحسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَد آَثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف:90-92].
وهذا تماماً ما فعله نبينا وسيدنا وقدوتنا محمد ﷺ حين جاء بجيشه الجرار إلى مكة المكرمة،
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه،
ثم قال: يا أهل مكة، ماذا تظنون، ماذا تقولون؟
قالوا: نظن خيراً ونقول خيراً: ابن عم كريم قد قدرت،
قال: فإني أقول كما قال أخي يوسف:
{قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف:92]. | أخرجه ابن مردويه.
ليس كل من يخالفنا يكرهنا!
هذه الأفكار من أكثر الأفكار شيوعاً ولكنها للأسف لا تمت للحقيقة بصلة، هناك مثلٌ عربيٌ يقول:
(صديقُك من صدَقَك لا من صدَّقك).
المعنى: ليس كل من وافقك هو صديقك، بل صديقك الذي يصدق القول معك وإن كان مُراً،
ينصحك بأمانة دون محاباة،
(النصيحة تكون بود واحترام ورشاد… لا بعنف وقتال وصدام)،
فالأصل يا أحبة أن نسمع إلى المخالف بكل نضوج وتروٍ وسعة صدر، لا تأخذنا الحمية ثم نحكم على الطرف الآخر بالمعارض والحاقد…
الأمور أبسط من ذلك ولا تحتاج إلى كل هذه الألقاب والاتهامات،
وإن قال قائلٌ:
إنه يقيناً يفعل ذلك بدافع الكراهية!… نقول:
اسع إلى الحوار معه بعد السماع منه حتى يفرغ كل ما في جعبته .. ثم نرد عليه بعقلانية وفن وحكمة.
وبهذا تستقيم الأشياء وينجلي الغمام بعون الله.
حدث خلاف بين المشتري والبائع يوماً،
والبائع يريد منه مالاً، فقال له: أعطني حقي، فأجابه:
لا حق لك عندي،
فأعاد البائع السؤال ببساطة:
(تدفع هنا أم في الأعلى؟
قال الآخر: أين هذه! فقال البائع: عند الله،
قال الآخر: بل في الأعلى.. ثم غادر! وما أن حل الليل، إلا الأخ الفاضل جاء للبائع قائلاً له: خذ حقك الآن أفضل من الأعلى).
الأرحام أولى من الخلافات، لا نقطع الأرحام لأجل بعض الخلافات والمهاترات، ولا نسعى بتدميرهم، ولا نقف عند الخلاف ونكرر ونذكر ونتذكر الخلاف، ثم نجعلها قضية عالمية، خاصة مع الأسرة والأهل والأقارب، بل نطوي الصفحة،
ونبدأ صفحة جديدة بيضاء بعد رد الحقوق والذمة فهي من وظيفة المصلحين ثم القضاء.
قال الله تعالى {وَأَنْ تَعفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة:237].
وخيركم خيركم لأهله لأقاربه لجيرانه.
إن منكم منفرين،
خاصةً أولئك الذين يدعون للإسلام بهمجية وشراسة وحدة،
يدعون للتكفير والنفاق أكثر من الهداية والبيان.
الرفق معدوم بحجة الناس لا يفهمون! يُخرجون البعض من الملة ويجعلون في الباقي العلة وهم لا شك بعين أنفسهم صفوة الصفوة!
وهنا تكمن المشكلة:
“نرى العيب بالآخرين لا بأنفسنا”!!!!
قال تعالى: {وَهُمْ يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعًا} [الكهف:104]،
كما أن حمية الجاهلية مرفوضة بين المسلمين أو حتى مع غيرهم من الملل لأننا خير أمة أخرجت للناس.
الدعوة لها فطناء ورجال لا أطفال ومرضى.
الإنسان ذو الأخلاق الواعي الماهر يسمع ويعي من غير زعيق وفجور واتهام ونزاع، بتروٍ يحاور ثم يقف أو ينسحب ببراعة وسلامة، ولنعلم بأن الخلاف هدفه البناء والثمار لا الهدم والخراب، فلا نتشدد ونتعصب ولنعلم بأن المفاهيم والمدارك تتباين من إنسان لآخر،
قال الله تعالى:
{وَرَفَعنَا بَعضَهُمْ فَوْقَ بَعضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف:32]
درجات فكرية، مادية، اجتماعية، إيمانية..
نختلف ولا نفترق، نتجادل بإحسان وسماحة، نتكلم ونسمع، ولا نعكر صفو الوداد،
كما أن قولي صواب يحتمل الخطأ!
وقول الطرف الثاني خطأ يحتمل الصواب.
الشقاق وفجوة البعد والتحزب والخصام جميعها دلائل سوء إدارة الخلاف،
لأن الخلافات تحتاج لحكمة وسياسة كما قال خير الناس ﷺ:
«ليسَ الشَّديدُ بالصرعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يملِكُ نفسَه عندَ الغَضبِ» – حديث صحيح رواه الإمام مسلم.
فلننتق كلماتنا ولنراجع طريقتنا في الحوار والرد ولا نترك طابعاً سيئاً عند غيرنا،
فقد نجد عواقبها في المستقبل.
أنت على حق ولكن الأسلوب والكلمات تجعلنا أحياناً على خطأ فالصبر والحلم والعقلانية مؤشرات وعوامل إيجابية لنصرة جانب الحق وتصحيح الخلاف أو تجنبه قال الله تعالى:
{ادفَع بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ} [فصلت:34]،
فالرجولة والرفق في الحديث والتعامل والسماحة من حسن الإيمان،
والمخطئ من ظن أن استعمال الرفق في سائر الأحوال نقيصة وضعف!،
قال رسول الله ﷺ:
«إن الله رفيقٌ يحب الرفق، ويعطي على الرِفقِ ما لا يعطي على العنفِ» – حديث صحيح.
الخلاف لأجل أفكار ومبادئ خارجة عن إطار الإسلام لن تأتي أكلها أو ينتصر صاحبها مهما ظن أو فرح،
مثل الذي يشجع الاختلاط والانفتاح والتعارف قبل الزواج أو يتمنى تطبيق الأفكار الغربية الصليبية في مواطننا،
أو يسعى لتعليم اللغة الغربية للأطفال قبل تثبيت العربية، كل هذا وغيره من أفكار هدامة للثقافات والعادات والديانات باطلة وما بني على باطلٍ فهو باطلٌ.
الخلاصة: من وافق الإسلام وجمهور العلماء أولاً،
ثم (الفكر العربي الأصيل النبيل) فهو على حق، “إن شاء الله”
ومن خالفهما فهو على باطل. والخلاف شر.
لكل مقام مقال، إن كان هدفنا من الحوار مع الطرف الآخر (تأجيج الصراع وبخس النظريات وإثبات الرأي لا الحق) فهذه بوادر عقيمة مرفوضة، خاصة إن كانت ضمن الاجتماعات والمناسبات واللقاءات العامة،
لأننا قد نجادل البعض انتصاراً للنفس، أو بغضاً لشخص ما، فالنفس أمارة بالسوء، وهذا يعكس المماراة،
جاء في المعاني: مارى الشَّخصُ الشَّخصَ ناظره وجادله، نازعَه وخالفه: مارى أستاذَه في رأيه.
قال تعالى: {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} [الكهف:22].
علينا بحكمة كسب القلوب لا المواقف،
كم أننا قد نخسر النقاش والناس لأجل أساليب لا نراها بأنفسنا من قسوة أو صراخ أو عنف أو عناد، فالبعض يحتاج لليونة ورفق، وبعض العقول تحتاج لأمثلة وبراهين،
ومنهم من لا يرضيه إلا الأفعال الصادقة لا الأقوال الخادعة، وآخرون لا يرون الحق إلا معهم مهما كنت فصيحاً بليغاً رفيقاً فلا تقعد معهم،
لأنه رسولنا ﷺ كان أفصح العرب وأفضل الخلق شكلاً
وقلباً ونسباً وعلماً وأسلوباً ومع ذلك حاربوه وقاتلوه.
قبل الترويج لنفسك أو حزبك أو علمائك أو أفكارك أرجوك ابدأ في تعلم أخلاق الإسلام وسلوكياته أولاً…
راجعها ثم أتقنها ثم طبقها ثم انطلق،
ولا تنطلق بين الناس متحدثاً ومروجاً وأخلاقك غير مشرفة، وإن أردت تقيم نفسك راجعها عند الخلاف ومع المعارض لأفكارك!
ولنعلم أن العلم والأخلاق بحران لا ساحل لهما،
قال ﷺ: «إنما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ» – رواه البزار.
كما أن الأخلاق النبيلة بوابة النجاحات،
كما أن المتعلم الخلوق قليل الجدال والخصام وقد قيل:
(من كثر علمه قل خلافه، ومن قل علمه كثر خلافه).
البذاءة والأذى مع المخالف ليست من أخلاق الكرام
حتى مع العدو لأننا قد نضطر إلى السلام معه والهدنة في وقتٍ لم نحسب له حساباً،
والمسلم يعكس صورة الإسلام في كل وقت وحين، كما قال ﷺ:
«لَيسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحشِ وَلَا البَذِيءِ» – حديث صحيح رواه الإمام أحمد.
كما أن اللعن خاصة من المظاهر السيئة التي تعود على قائلها بالسوء وهو لا يدري،
كما قال ﷺ:
«لعنُ المسلم كقتله» – حديث صحيح.
لا يعلم ما في القلوب إلا الله علام الغيوب، فلا يصح أن نسمع اتهامات عشوائية كيدية عن فلان وفلان لمخالفته بعضاً من أقوالنا أو أفكارنا أو علمائنا ..
ثم نقول عياذاً بالله: إنَّ فلاناً منافقٌ، فاسقٌ، كافرٌ، مبتدعٌ.
لأن الخلاف وارد، والناس مشارب ومواطن تختلف مفاهيمها وتختلف مدارسها وعلماؤها بإختلاف موطنها ومنشأها،
فلننظر بإيجابية ورحمة إلى الناس رحمكم الله،
قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: عن النبي ﷺ:
«لا يَرمِي رَجُلٌ رَجُلًا بالفُسُوقِ، ولا يَرمِيهِ بالكُفرِ؛ إلَّا ارتَدَّت عليه إن لَم يَكُن صاحبُهُ كَذلك» – حديث صحيح رواه الإمام البخاري.
ونتعجب لهذا الحقد والاستعجال في أسقاط الناس وهدمهم بالكلية، والسلامة تكاد لا توجد،
يتناسون أن كل العلماء والناس تخطئ وتصيب لا محالة! عن الحكم بن عتيبة قال:
(ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم) – أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله.
لا تغلوا في نبيٍ كالنصارى مع سيدنا عيسى ﷺ،
ولا تغلوا في صحابيٍ كالشيعة مع الحسين رضي الله عنه،
ولا تغلوا في شيخ أو طريقة كالصوفية،
لا تغلوا في قائد كالعلوية والأكراد،
لا تغلوا في فكر كالعلمانية والشيوعية،
لا تُذهبوا أعمالكم سدى وتجاوزوا الحد في وطنٍ، في رأيٍ، في حاكمٍ، في عالمٍ، في جنسيةٍ، في قوميةٍ..
{لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَد ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة:77].
الذي أراه ينطقني
