العمل والعمال الموظف والوظيفة

أداء المهام الوظيفية كاملة من دون نقصان ومماطلة وتراخٍ وتأجيل وتسويف بالقدر المستطاع ضمن أوقات العمل يسهل على العباد الحياة ويعجل بعجلة التطور للأمام مما يعود إيجاباً علينا جميعاً بالخير والنمو والتقدم، ومهام كنا نواجه من مآزِق ومشاكل تبقى المهام الوظيفية من الأولويات،

أيضاً العملاء والزملاء لهم منا كامل الانتباه والإخلاص في تلبية متطلباتهم دون تقصير ومنّة وتأفف، فهذا واجبنا ولا نرضى لهم بأقل من ذلك ولا نقبل لأنفسنا أن نكون مصدر التأخير والتقصير، قال ﷺ:

«إنَّ اللهَ تعالى يُحبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أن يُتقِنَهُ» صححه الألباني.

أجير عامل، خادم، مجند جميعهم ذوي إنتاجية وفاعلية وإصرارهم المحرك الأساسي الثمين ونواة المجتمع للأمة والبلاد والأجيال، الذين لا غنى عنهم، فليس لهم منا إلا كل التقدير والاحترام لأنهم يقومون بمهام يصعب على الكثير منا أداؤها والصبر عليها، كما أن البلاد تقوم عليهم وتحتمي من بعد الله بظلهم وتتحرك الأسواق بجهدهم وحركتهم،

وإن كانوا أصحاب بساطة وتواضع ومكانة عادية بين أفراد المجتمع ودخل مادي محدود ولكنهم مفخرة البلاد دون منازع ولا يعلم بقدرهم إلا كل لبيب.

لا ينبغي أن تدفعنا الخلافات الإدراية إلى التقصير في العمل فنحن أرفع من النزول دون المستوى وأكرم من تضييع الأمانة لأجلهم، كما أن سمعتنا أمام الله أولاً ثم الناس مهمة وفوق الجميع، ولن نتيح لهم المجال ليقولوا:
(فلان مقصر، فلان ليس بأمين، لا إخلاص، لا يحلل راتبه…)،
وإن حدث واقترفنا بعض الأخطاء في العمل ولم يطلع عليها أحدٌ، فلا نتردد في تصحيح وتدارك الأمر دون تأجيل،
لأن الصواب أولى بالاتباع، وتبقى أمانة في أعناقنا،
قال سبحانه وتعالى:

{إِنَّا عَرَضنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72].

دقائق وساعات العمل أمانة كبيرة في أعناقنا لا مناص منها إلا بأدائها على الوجه المطلوب دون تضييعها هنا وهناك، فالأجرة نتقاضاها لأجل ذلك،
فلا يصح بذل أوقات العمل في غير مهام ومقتضيات العمل،
حتى إن كنا نحب أو نكره صاحب العمل أو الإدراة، أو لا يوجد تقدير أو عدل لديهم..
هذا كله لا يبرر لنا شرعاً خيانة الأمانة وأخذ الراتب كاملاً دون وجه حق!
ولماذا نجعل لهم في الآخرة علينا سبيلاً؟
وإن حدث وأخذنا واستهلكنا الأموال والأوقات حراماً بعكس المشروع شرعاً،
فلا مهرب من تعويض الفائت من الوقت أو رد المال لأصحابه بعد التقدير وسؤال أهل العلم، وإن كان رد المال لأصحابه صعباً أو مستحيلاً فلنتصدق به عنهم،
نستطيع أحياناً تعويضهم بحكمة دون تشهير من تقديم هدايا مفيدة تهمهم أو تسليمها لأطفالهم كجوائز وهكذا.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
ما خطبنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا قال:
«لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهدَ له»
– حديث صحيح رواه الإمام أحمد والبزار وأبو يعلى.

الكسب أو الراتب أو العمل في أعمال تدور حول ظلم الناس والتضييق عليهم وسلب ماعندهم ثم التذرع بأن العمل قانونياً مرخصاً وتقره الحكومة لا يعني أنه حلال مبارك!! لأنه عين الحرام والظلم والإثم والعدوان وأكل مال الناس بالباطل، ولا يصح التكسب منه إطلاقاً أو البقاء فيه،
وكل ما كسبت أيدينا منه سنحاسب عليه،
لنعلم هدانا الله وإياكم أن العمل الشريف شرفٌ وفخرٌ ووسيلة للنفع والانتفاع، كما أن الكسب الحلال يجعلنا في بركة وحفظ ورضى مهما قل أو صعب، فمن ذاق الرضى والبركة في المال والصحة والأهل والولد يبصر ويعقل ما نقول، وقد قيل: “الشوق لا يكون إلا بالذوق”،

اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك.

لا ترضي رؤساءك في العمل على حساب الناس والحق فالأحق أحق أن يتبع،
الكل مسؤول، لا يمكن قبول الأعذار لا في الدنيا ولا يوم الحساب، وسيتبرأ العامل من مديره ورئيسه يوم يرى العذاب.

{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة:166]

ومن هذه الأعذار المرفوضة كالقول:
(الرئيس أجبرنا، هددنا، أو لأجل كسب وده، أو خوفاً من طردنا فعلنا مالا يصح فعله،
أو نقول: إن لم أفعلها فعلها غيري، أو لا يمكننا رد طلبه، أو أنا ذو عيال وديون ومسؤوليات، أو عبد مأمور)..

وهنا تكمن المصيبة والبلية التي تعكس قصور أفهام وإيمان وأمانة هؤلاء، وكأنهم عبيد! ولنعلم أن مصالح الناس هي الغاية الرئيسية لوجودنا في هذه المناصب، ولولاهم لما كنا هنا، فمصلحتهم مقدمة على مصلحة الرئيس أو البلاد أو الشركة أو المكتب أو المال أو حتى أنفسنا.. ومن لم يستطع ذلك فليبحث لنفسه عن عمل آخر أقل أهمية لا ترتبط به مصالح الناس وحوائجهم، ويوم القيامة سيأتي أناس خالفت ما ذكرناه ندمت أشد الندم فدخلت النار عافانا الله:

{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب:67].

استغلال الوظيفة لأغراض خارجة عن المهام المفروضة أو استغلال موارد العمل وعملائه وعلاقاته لمنفعة مصالحنا الشخصية أو لصالح الأقارب أو الأصحاب يخالف الشرع والأمانة والقانون،
وفاعلها يبقى يدور ويصول سراً خفية ظاناً أنها مهارة،
لكنها مع الأسف قلة أمانة وخيانة،
كما أن عواقبها الدنيوية كارثية ستلاحق وتصيب صاحبها وذويه من أمراض وبلايا وفشل وخوف وقلق وتشتت فكري وعائلي،
عدا العاقبة الأخروية أشد عذاباً وحسرة وندامة.
وقد رأيت أناساً استغلت وظيفتها لمآربها الخاصة واستمرت على ذلك دون تقوى الله ومخافته، فتشتت شملها وتشوهت سمعتها وفسد أطفالها ودخلت بعد ذلك في نزاعات داخلية مع شركائها جعلتها لا تهنأ ولا تسعد، والآن تعيش منبوذة وحيدة لا تثق بأحدٍ لسوء ظنونها وماضيها، عافانا الله وإياكم وكل من يسير على هذا النهج،

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:119]

الروتين اليومي المتكرر في العمل يعكس نتائج سلبية علينا وعلى عملنا ومستقبلنا مع الأيام،
لأننا كالآليين أصبحنا، لا ننظر خارج الصندوق وليس لدينا الهمة ولا العزيمة للخروج من هذا الصندوق،
فقد اعتدنا المكوث والجلوس وفهمنا حركة العمل وإن كانت قاسية أو ظالمة لكننا نقول: (هذا أفضل الموجود)!
ولكن الحقيقة أننا نعيش حالة روتين صعبة،
كما يتيح ذلك لأرباب العمل استبدالنا دون تردد بالأفضل أو الأسرع أو الأرخص، لأنهم يرون ضعفنا وقلة حيلتنا،
فالحل يكمن بالخروج من الروتين تدريجياً على مراحل بشكل معتدل بعد الاستشارة والهمة والتفاؤل وطلب العلم ومصاحبة طلبة العلم والعلماء والمفكرين والنظر إلى المنافسين وعملهم، وأهمها البدء في ذلك الآن،

كما أن الروتين يعود سلباً على أشياء كثيرة منها:
المنتج، الزبون، المستهلك، التطوير، المنافسة، الخبرة، الشخصية، المجتمع، الاستثمار.

هناك الملايين من الناس العاطلة عن العمل،

لم تحظى بالفرصة التي تحظى بها، ولديها ما لديها من الشهادات والخبرة، ولكن لا نقول إلا كان الله معهم،
لذلك لا يستحسن أن نقول أو نظن بأن الوظيفة والعمل والدوام من النقم أو أشياء مكروهة تعكر صفو الحياة،
تجعلنا نفارق الفرش والراحة إلى الكد والتعب،

نغيب عن الأهل والأصدقاء واللقاءات لنغرق في مهام العمل والعملاء، وجميع ذلك لا يعود سوى لأناس محبّطة كسولة، لامس مسامعنا كلامها وتصرفها السلبي، أو جميع ذلك ورد من موارد نفسية ضمنية لإستحباب النفس الخلود إلى الأرض عن التكسب والحركة،
وهذا سيسبب سلبيات لا تعد ولا تحصى، وسيجعل الحياة تمضي بصعوبة ومذلة إن أخترنا العطالة عن العمل والتكسب،

وقد قال جبريل عليه السلام لنبينا محمد ﷺ:
«يا محمد؛ شرفُ المؤمن قيام الليل، وعزهُ استغناؤه عن الناس».
– أخرجه الحاكم من حديث سهل بن سعد، وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.

ما المشكلة في جعل النعمة التي أنعمها الله عليك نعمة على الناس جميعاً، لا نقول أن تخالف قوانين وظيفتك إرضاءً للناس، ولا أن تعصر نفسك لأجلهم وتخسر منصبك أو شركتك ثم يخسرون معك وتضمحل المنفعة،
ولا أن نقرب القريب ونبعد الغريب ونجعل النفع للقريب دون الغريب،
الذي نقوله أن نكون مفاتيح للخير مغاليق للشر
بما يرضي الله عز وجل، خاصة للأقارب ثم الأباعد ثم الجيران ثم الجميع بالعدل والإنصاف،
نسعى لتوظيف القريب قبل الغريب،
نقرب القريب، نعلمه ننفعه ندعمه ثم الأولى فالأولى،
وهكذا مع الغريب وكل الناس.

: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَحبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّه؟ قال: «أَنفَعُهُم لِلنَّاسِ، وَإِنَّ أَحبَّ الأَعمالِ إِلَى اللَّهِ سرورٌ تَدخِلُهُ عَلَى مُؤمِنٍ: تَكْشِفُ عَنهُ كَربًا، أَو تَقضي عَنهُ دَينًا، أَو تَطرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَأَن أَمشي مَعَ أَخِي الْمُسلِمِ فِي حاجَةٍ أَحبُّ إِلَيَّ مِن أَن أَعتَكِفَ شَهرَينِ فِي مَسجِدٍ.. ». السلسلة الصحيحة

أحياناً نرى بعض الناس في مناصبها وكأنها انسلخت من هويتها وإيمانها وشخصيتها، تتحول لكائنات مضرة متعجرفة لا ترحم، تمضي من دون أن تضبطها مبادئ، غاية همها (نفسي نفسي)،
لا تميز بين الحق والباطل، تمضي على هواها وشهواتها، إن ذكرّناها بالأخلاق والصدق والإسلام لا تسمع لا تطيع،
ثم نجدها تردد مقولتها الشهيرة الفاشلة (بزنس إز بزنس)،
لا يحللون ولا يحرمون، لأن المصلحة تقتضي ذلك.
ومثلهم في ذلك كمثل قارون الذي كان من قوم موسى ﷺ فبغى عليهم حينما اعتلى بالمال والمناصب،
ولم تزده العطايا إلا تكبراً وبغياً وطغياناً في الأرض،
وأشباهه يظنون الفضل لعقولهم وذكائهم وحنكتهم.
كما ذكر الله سبحانه وتعالى مقولة قارون:

{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص:78].

وهذا غالبٌ على شخصيات أهل التكبر والفساد،

قَالَ اللهُ عز وَجَلَّ: «الْكِبرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمة إِزَارِي،فَمَن نَازَعَنِي وَاحدًا مِنهُما، قَذَفتُهُ فِي النَّار»
– حديث قدسي صحيح رواه أبو داود.

كما ستلاحظ الشح والبخل خصيصاً إن طالبناهم بمطالب بسيطة ممكنة عند غالبية العالم المتحضر من:
ترقية، زيادة راتب، مكافأة.

الذي أراه ينطقني

مواضيع ذات صلة
الإنسان الاجتماعي
الإنسان الاجتماعي

قيل: (إن للإجتماع روحاً لطيفاً فاعلة في النفوس كل جميل).. والإنسان يحب الاستئناس بالناس، يحب الحوار والأصحاب والجماعات والاجتماعات، ويحب اقرأ المزيد

محبة
محبة

للوطن محبة، ومحبة الحي، محبة الجيران والأهل، هي الطفولة هي الماضي والتاريخ والذكريات والأصحاب محبة لا تقارن لا تضمحل مع اقرأ المزيد

الحب
الحب

الحب ليس تجربة وليس شهوة وليس سباقاً أو تحدياً أو تفاخراً أو عذاباً… الحب يا كرام هو محبة ذات وجوهر اقرأ المزيد

الاختلاط
الاختلاط

الاختلاط قد يرغبه الكثير ويستحسنه، لأن النظر إلى النساء والتعامل معهن ليس بالشيء السيء للنفس الأمارة بالسوء، وكذلك العكس من اقرأ المزيد