معنى الزمالة: بَيْنَهُما زَمالَةٌ: عَلاقَةُ رُفقَةٍ وَصَداقَةٍ تَكَوَّنَت في مَجالٍ مِنَ الْمَجالاتِ، تَطبَعُ روح الزَّمالَةِ عَلاقَتَهُما: روح التَّضامُنِ والتَّعاوُنِ – معجم الغني.
الزمالة في أي حقل من حقول العمل تجمع في طياتها الصداقة والشراكة والأخوة والتعاون والهدف المشترك والمصلحة الواحدة خاصة إن كانت النوايا صافية والقلوب متحابة، واجتمعت جميعاً فيما يحبه الله ورسوله، من هنا تتحقق الأهداف وتتوفق الجموع في تحصيل المطلوب، وهذا ما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، فلولا صدق النوايا وحسن التآخي وشرف الرسالة لما سادوا العالم وأطاعت لهم قلوب العباد ودانت لهم البلاد، وقد قيل: (على قدر صلاح النوايا تكون العطايا).
الزمالة قد تصبح عداوة إن غلب عليها غالب الأنانية، فالأنانية وإن كانت محصلة للمنافع الشخصية ولكنها تبقى مؤقتة سريعة الزوال لن تدوم مثل دوام الصداقة والأخوة، وغالب من حارب الأنانية وفضل الجماعة في السراء والضراء جلب لنفسه الطيبات والمسرات والصيت الحسن ولمع نجمه ولو بعد حين، فيد الله مع الجماعة، وكم من زمالات كانت على خير ووفاق ثم حدث أن تشاركت أو تصاهرت فانتفعت وارتفعت، وهذا ما حدث مع الصحابة الكرام حين تعاونوا وتحابوا فتصاهروا وتشاركوا فنالوا الخير كله، وقد صاهر سيدنا عمر بن الخطاب سيدنا علي بن أبي طالب بزواجه من ابنته أم كلثوم رضوان الله عليهم.
من سعى جاهداً لكسب ود الزملاء ولو سطحياً فهو اللبيب الموفق، فرب زميل ينافح عنك ويصف في صفك خير من عدو يتربص بك، ولعل هذا الزميل الذي لا تعيره اهتمامك ولا يعتريك أمره يصبح يوما ما مديراً مباشراً أو عاما أو قريباً أو شفيعاً أو غير ذلك، فكسب القلوب أولى من كسب المواقف، وهذا لا يعني أبداً قبول مصاحبة أهل المعاصي والأسافل منهم:
إذا كُنتَ في قومٍ فصاحب خيارَهٌم *** ولا تصحبِ الأردَى فتردَى مع الرَّدي
الزمالة بين المدير أو ذي الرتبة مع من دونه ليست كما بين الخالق والمخلوق، ليست كما بين رجل وطفل، لننتبه جيداً، فإننا نحمل أمانة التوجيه وليس التملك، والناس التي تعمل معنا وعندنا ليسوا عبيداً أو دوننا منزلة كما أن الله فضلنا عليهم ليس لوجود مزايا فريدة نادرة فينا، فهم من لحم وطين وكذلك نحن، فالناس سواسية كأسنان المشط، وإنما يتفاضلون بالخصال الكريمة لا بالصفات الظاهرية، لا فضل لأحدٍ على أحدٍ إلا بالتقوى والأدب والمروءة والعمل الصالح، {إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ} [الحجرات:13].
الزميل السام، لا خير بمن تتبع العورات وأفسد بين الزملاء ورصد الأخطاء وفضحها، الزمالة السامة لا رجاء فيها ولا خير، فمتى وجدنا أنفسنا داخل دائرة شريرة جالبة للويلات والبلاء ومدمرة للنفس والحياة فما علينا إلا مغادرة المكان وتركه بالكلية ولو كنا في حاجة وضائقة فالهروب أولى لأن البقاء سيزيد مخاطر الفشل والضياع ثم لا سبيل للنجاة بعد ذلك، العاقل الراشد لا يظن بأن بقاءه ضمن هذه الزمرة السامة واندامجه معهم سيجعله في مأمن ومنأى عن البلاء والسم المبعوث منهم، لأنهم جلساء سوء كما قال النبي ﷺ : «.. ونافِخُ الكِيرِ ، إِما أن يَحرِقَ ثَيابَكَ، وإِما أن تَجِدَ منه رِيحا خَبيثَةً» – صححه الألباني في صحيح الجامع.
وهذه الأفعال من أذية وضرر لا ترضي الله عز وجل وليست من أخلاق المسلم ولكنها أخلاق أهل الغدر والنفاق والفسوق، قال عنهم ربنا سبحانه وتعالى: {إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ} [التوبة:67].
للزمالة مكانة عند الجميع في كافة الأصعدة والمجالات، الفنية، العملية، الدينية، الدعوية، التجارية، التعليمية، جميعها صحبة ومخالطة، كما أن الزمالة الصادقة النبيلة تنفع ولا تضر، تعطي ولا تسرق، تحمي ولا تخون، ولا تبخس الآخر مهما كان جنسه أو شكله أو دينه، ولا تقف الزمالة بوجه الزميل ومستقبله لأغراض شخصية ولا تلوث سمعته وتقطع برزقه كذباً وحسداً وغيرةً. فكم من الزملاء كسبوا الود ورضى الله وكانوا أهلاً لها لأجل مواقفهم المشرفة الساطعة فارتقوا في المراتب، لأن الناس أخيراً تميل إلى القلوب والأيادي البيضاء.
تفشل علاقات الزمالة بين الناس أحياناً لأجل أناس فضلت واختارت التنافس الداخلي عن المخاطر والمنافسة الخارجية كما فضلت الصعود على أكتاف الآخرين ونأت بنفسها عن الجماعة والصداقة والزمالة لأجل (الأنا) بدلاً عن (نحن) عافانا الله من أمراض القلوب، والعكس صحيح، عندما تكون الزمالة بين الأطراف على خير سليمة لا اعوجاج فيها تراها لاحقاً قد أثمرت وأنتجت النفيس من الثمار فأكلت وأطعمت، والعرب في لغتها لا تقول (أنا) وإن كان المتحدث فرداً بل تقول (نحن) للتعظيم والتفخيم إظهاراً للتعاون والتآلف، وعلى هذا نفهم أن التعاون والتكاتف والتآلف حتى في الأقوال قوة وبلاغة، كيف وإن اجتمعا معاً أقوالاً وأفعالاً.
للزمالة حدود وأصول وضوابط فلا يصح بتاتاً فتح الحدود وضرب الأصول وقتل الضوابط والتغاضي عن الحرمات التي هي من عمل الشيطان وخطواته، فتصبح على ذلك الزمالة التي هدفها وغايتها الأساسية العمل والتكسب ولقمة العيش لعنة وإثما وشراً خاصة بين الإناث والذكور في بيئة العمل المختلطة التي لا تحرم حراماً ولا يهمها الحدود التي أنزلها الله وغالب نتائجها والعياذ بالله الزنا، شر معصية قال ﷺ : «الْعَينُ تَزنِي وَالْقَلْبُ يَزنِي فَزِنَا الْعَينِ النَّظَرُ وَزِنَا الْقَلْبِ التَّمَنِّي وَالْفَرجُ يُصَدِّقُ ما هُنَالِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» – مسند الإمام أحمد – كما أن الخلوة بين الزملاء الإناث والذكور في أماكن العمل من أكثر ما يهيج النفس ويجعلها تقع في الزنا فكراً وتخيلاً إلى أن تصبح تخطيطاً وفعلاً فيقع الفأس في الرأس ويندمان على ما فرطا في جنب الله.
الزمالة الخسيسة بين الرئيس والمسؤول بين الموظف والمدير، اللذين يجعلان الزمالة خنجراً في قلوب العباد والبلاد وسداً على الناس بوجه الانتفاع والارتقاء لأنهما يتواطآن بدناءة على استغلال الزمالة لمنافعهما الشخصية لا لمنافع الشعب والبلاد، فهما وأمثالهما سبب خراب الأمة وتراجعها، وعلى الإدارات الصادقة ضبط هؤلاء قدر المستطاع دون تهاون لأن غاية العمل والزمالة تسيير أعمال الناس وشؤونهم لا العكس، فتقهقر الأمة نتيجة الفساد الذي يطوي في صفحاته أولاً الزمالة الخسيسة، قال الله جلّ وعلا: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} [المائدة:2].
الذي أراه ينطقني
