((لَو أَنَّ لِابنِ آدَمَ وَادِيَينِ مِن مالٍ، لَتَمَنَّى وَادِيًا ثَالِثًا،
وَلَا يَملَأُ جَوفَ ابنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن تَابَ)) – حديث صحيح رواه الإمام البخاري.
المال يغني عن الخلق ويعز النفس عن المذلة والسؤال، وهو سيف ذو حدين يضر وينفع،
ينفع أن بذل وأعطى وأغنى العباد وكفهم عن السؤال،
ويضر إن منعه واستغله في البغي والعدوان،
ما حصّله الغني من جاه وسلطان سيولد الأنفة والتكبر،
وأغلب الأغنياء ذوو أمراض نفسية ودينية وعلل لا يعلمها إلا الله لا دواء لها إلا الفقر او القبر، فالغني ذو الماضي والنشأة الجاهلة الظالمة السوداء لن يؤمن مطلقاً بالأخلاق أو الرحمة أو بأن الله هو المعطي الرزّاق، سنجده معولاً هداماً للأمة، يأمر بالبغي والطغيان ويعادي الإسلام والمسلمين،
سنجد لكل زمان وعائلة وبلدة قارونها،
{إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ} [القصص:76].
المال يجلب أرازل الناس حول الأغنياء،
لذلك نجد دائماً حولهم منافقين وأشراراً وعبدة المال والمادة، غايتهم العلو والسلطة والجاه والتسلط والشهوات وزيادة الأموال وتكديسيها وحمايتها،
همهم الدنيا وتحصيلها والاستمتاع به والخوض في عالمها غير المنتهي، كما نجد للأسف بعض الأغنياء من دون أصدقاء وأحباب حقيقيين يحوطونهم،
بل ثلة استغلاليّة مادية تحوم حولهم كالذباب على العسل عدا أن اغلبهم يدعي الإخلاص والمحبة والصدق تجاه الغني،
ومع مرور الأيام يفسدون العسل،
ويوم القيامة يعادون بعضهم البعض،
{الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعضُهُمْ لِبَعضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67].
للغنى ضريبة تضر ولا تسر، لأن طريق الأموال محفوف بالشهوات والأطماع، قضية لا تنتهي يصعب حلها أو انهاؤها، منافسة ليس لها خط نهاية بين الحاقدين والطامعين تراهم يلهثون وراء المال والشهوات، ما أن يجدوا سبيلاً حتى ينقضوا عليه انقضاض الجائع العطشان،
وقد وصف الله عز وجل الإنسان بأنه يحب الأموال والخيرات بشدة، قال تعالى:
{وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات:8].
الغني سيجد الفقراء/المساكين تقصده وتسأله،
وهذا لا بد منه،
فهل نتذمر أو نضجر؟
وهل نصدق روايات الناس الطاعنين بمصداقية الفقراء؟
لا يصح طبعاً تعميم غش بعض الفقراء على الجميع، وجعلها ذريعة لإهمالهم، بل رعايتهم من أولى الأولويات، وبالإمكان الأخذ بالأسباب وتعين الصالحين أصحاب الخبرة والبصيرة لسد حاجاتهم بعد التمحيص دون المبالغة والتنفير،
أحياناً قد يضيع الوقت ويتضررون ويزيدون ألحاحاً، وفي النهاية لن يتبين عندنا صدقهم من كذبهم،
وقد قيل: الأصل في الإنسان البراءة والسلامة،
فلا نمنع الإحسان والصدقات لأجل بعض الأوهام والظنون،
قال الله الغني الكريم جل جلاله: {وَأَحسِن كَمَا أَحسَنَ اللهُ إِلَيْكَ} [القصص:77].
الغنى فرصة لا تعوض نكسب بها رضى الله تعالى وقلوب الناس، من أقارب وأباعد وغرباء وجيران وزملاء،
لأن النعم لا تدوم، ومن عرف الله في السراء عرفه الله في الضراء، ومن شتت نفسه وأضاع حياته عبثاً وصد عن الخير وأمسك، وتمتع في أملاكه ومقتنياته وأعماله في سبيل نفسه لا غير، وجد نفسه في الآخرة لا زاد له وبين الناس لا أحباب له، على الغني شكر الله تعالى والتواضع،
فالناس حول المعمورة تموت جوعاً وعطشاً وغما وسجناً وتهاجر وتغترب إلا الأغنياء في نعيم وراحة فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان للعباد لتدوم النعمة وتستطيل.،
وقد قابلت أحدهم سجن 13 عاماً لأسباب مالية،
خرج وهو ابن 35 سنة، لم يتزوج بعد، لم يأسس شيئاً،
وقد تشوه اسمه وتعطل مستقبله،
وإن أراد الزواج امتنعوا لأجل ماضيه،
علماً أن سمته طيبة ومن حفظة كتاب الله،
ولكن الديون والغرماء لا يرحمان.
وقد كان من دعاء النبي ﷺ عند النوم: «….اقضِ عَنَّا الدَّينَ، وَأَغنِنَا مِنَ الفَقرِ» – رواه الإمام مسلم.
اللهم آمين.
حقيقة علمية واقتصادية، الأمراء الأغنياء والقادة والمسؤولون والتجار يعتاشون على أكتاف الناس من تحتهم،
فلولا العمال والبسطاء لما كان لهم ما كان من الأموال والسلطان والأملاك وسبل الراحة،
ومن عاكس وعارض ذلك فليذهب بنفسه بعيداً عن الناس
إلى البرية ليسكن ويعيش فيها ويرى هل سينال ما كان يناله وهو بينهم.
ومصداق ذلك قول الصادق المصدوق ﷺ:
((ابغوني الضُّعفاءَ، فإنَّما تُرزقونَ وتُنصرونَ بضعفائِكُم)) – صحيح أبي داود.
فالغني وغالب الناس يأتيهم النصر والرزق والرحمة من خلال الضعفاء.. وجاء في الأثر:
((لولا عبادٌ للهِ رُكَّعٌ، وصبيةٌ رُضَّعٌ، وبهائمٌ رُتَّعٌ، لصُبَّ عليكم العذابَ صبًّا، ثم لرُضَّ رضًّا))
– رواه البيهقي في السنن الكبرى، وقال: إسناده غير قوي.
دوام الحال من المحال، فالثراء والمال قد يزولا يوماً ما، لأسباب عديدة وغير متوقعة، قد تأتي كوارث وعواصف لا ترحم ولا تبقي الأثر،
وقد حدثت زلازل في سوريا وتركيا والمغرب مخيفة أخذت قرى بأكملها، اللهم سلم سلم،
وقد يغزونا عدو فنهرب بأنفسنا ونترك أموالنا خلفنا،
وأذكر حالة لأحد الأحباب في محافظة إدلب، وقد باغتتهم الطائرات الأسدية الروسية قصفاً وتدميراً،
حتى اضطروا للخروح من المنزل على وجه السرعة ولم يأخذوا حتى أموالهم وتوجهوا إلى منطقة أخرى لعدة أيام، وقالوا لي: النفس عزيزة….
وقد يتسلط علينا رجل من الدولة لا يخاف الله فينا كما كان ضباط وعناصر النظام الأسدي (النصيرية، الدروز، الأكراد الشيعة)، كانوا ضد الشعب وليس في خدمته، فننسجن في حين غرة دون تهمة محددة ولا يعلم لنا مكان، فنموت همّاً وغمّاً.
وكان من دعاء رسول الله ﷺ: ((…ولا تسلط علينا من لا يرحمُنا)) _ رواه الإمام السيوطي.
تحقيق الغنى على أكتاف وجهود الشركاء وغيرهم ثم المكر بهم لأجل الانفراد بالخير كله عن طريق سحب البساط من تحتهم مع إبعادهم وطردهم أو إلزاق التهم الباطلة لهم، لا ريب سيجلب الويلات والحسرات والندم ولو بعد حين، لأنها من أفعال الخونة، والخائن سيقتله وسيهدمه كيده وطمعه وسيقع في شر أعماله، لأنها سنة الله في الظالمين،
{مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعمَهُونَ} [الأعراف:186].
عدا أنها بصمة عار ستلاحقه حياً وميتاً ويرثها أبنائه من بعده، وقد قيل: (والذنب لا يُنسى).
بالمال يستطيع الغني كسب العلوم له ولأهله والناس،
ويستطيع سداد ديون العباد وفك السجناء،
يستطيع جمع العروسين وسترهِما،
ويستطيع الإصلاح بين الناس بالهدايا والعطايا،
ويستطيع بناء مراكز التعليم لتعليم الناس الإسلام والعدل والبيوع والأدب ونشر التوحيد،
ويستطيع إطعام الجائعين خاصة في الشتاء،
ويستطيع بناء مراكز التدريب والتأهيل للعاطلين والمعاقين،
وبناء المشافي والصيدليات لعلاج الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام،
وبناء مراكز تتبنى الاستثمارات والأفكار الناشئة والجديدة لتطوير الناس ونمو الاقتصاد،
ويستطيع نصر الأمة بشراء المعدات والأجهزة ليتعلم رجالها الفنون والصنائع والقتال.
قال رسول الله ﷺ: ((يا عمرُو، نِعمَ المالُ الصَّالح للمَرءِ الصَّالح)) _ رواه البيهقي والحاكم.
الغني الجواد الكريم، الذي يقوم على أسرته ووالديه وعائلته وأقاربه وشعبه وقبيلته،
يسعى على مأكلهم ومشربهم ومسكنهم، لن تنفك عنه البركات والطيبات بإذن الله تعالى،
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجرُهُم عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحزَنُونَ} [البقرة:274].
والنعم بذلك تتسع وتتبارك،
إني لأعلم أحد الأغنياء ينفق ليلاً ونهاراً دون كلل وملل دون شروط وتعقيدات، حتى على زوجة أبيه المتوفاة،
وعلى زوجة جده الثانية الى أن ماتت، مع وجود أبنائها،
وليس ملزماً، ينفق على القاصي والداني، ولا أجده إلا في زيادة واتساع تبارك الله، كان من الفقراء ولكن ذو معروف وإحسان وصلاة، فزاده الله من فضله.
الجشع، من أشنع الشخصيات التي قد تمر على الناس،
الذي لا يشبع ولا يهنئ، لسان حاله يقول: هل من مزيد! منهم من يترك الفتات ومنهم لا يترك شيئاً،
والكثير من الأغنياء يمنعون الماعون وينشرون الربا في تجاراتهم، لا يقبلون تسليف الناس ولا يصبرون عليهم، يسجنونهم أو يربونهم.
قال الإمام مالك:
(كَانَ الرِّبَا فِي الْجاهِلِيَّةِ أَن يَكُونَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ الْحقُّ إِلَى أَجَلٍ فَإِذَا حلَّ الْأَجَلُ قَالَ: أَتَقضي أَم تُربِي؟
فَإِن قَضَى أَخَذَ وَإِلَّا زَادَهُ فِي حقِّهِ وَأَخَّرَ عَنهُ فِي الْأَجَلِ) – موقع سؤال وجواب.
عدا أخذ المشاريع الحكومية وغيرها بالرشاوي والهدايا، واحتكار البضائع، ورفع الأسعار، والتكبر والاستعلاء،
ومنهم الذي يملك عصابة أو محامين متخصصين في محاربة الخصوم والضعفاء، وقلب الحقائق، وأخذ الأشياء بالقوة أو بالقانون ولكن التفافاً.
{وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدوَانِ وَأَكلِهِمُ السُّحتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ} [المائدة:62].
أمثلة كريمة عن بعض الأغنياء: وقف بئر رومة.
أكثر من 1400 سنة مرت على شراء الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه لبئر رومة شمال غربي المسجد النبوي في المدينة المنورة، ولا تزال البئر حتى يومنا هذا تروي سكان المدينة بمائها، وتسقي نخيلهم وأشجارهم،
وهو وقفٌ لسائر المسلمين إلى يوم القيامة،
((ما ضر عثمانَ ما عمل بعد اليومِ)) – حسنه الألباني.
- الذي أراه ينطقني.
