نشتهي الظهور والتميز وجذب الأنظار ولكن (الشهرة) تُذهب الإخلاص وتغذي الرياء وتشتت الأفكار وتكثّر الأعداء والحساد،
لنجد أنفسنا بعد حين في مركبٍ جميلٍ لا راحة فيه، يخوض بنا في رحلة طويلة شاقة ومتعبة، لها إيجابيات ولكن عواقبها أكثر،
غالب المشاهير يفتقدون الخصوصية، ويشطاطون غضباً من المراسلين والصحفيين، الذين يتعدون على أدق تفاصيل حياتهم،
وللإنسان ولأهل بيته خصوصيات وأسرار لا يحبها أن تشاع وتظهر بين الناس، لكيلا يصبحوا على لسان كل انسان،
ثم تكثر الانتقادات والهمز واللمز والشتم واللعن،
كما أن بعض المشاهير، أصبحوا يتجولون ليلاً كاللصوص،
ولا يستمتعون بالأماكن العامة، ولا يميزون بين المحب والمعجب والصديق والعدو،
فجميعهم متهافتون ومعجبون ولنا في هذا الحوار العبرة:
عن عامرِ بنِ سعدٍ أنَّ أخاهُ عمرَ أتى إلى سعدٍ في غنمٍ لهُ خارجا منَ المدينةِ فلما رآهُ سعدٌ قال: أعوذُ باللَّهِ من شر هذا الرَّاكبِ،
فلما أتاهُ قال: يا أبَه، أرضيتَ أن تَكونَ أعرابيًّا في غنمِك والنَّاسُ يتَنازعونَ في الملكِ بالمدينةِ،
فضربَ سعدٌ صدرَ عُمرَ وقالَ: اسكت، إنِّي سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ:
((إنَّ اللَّهَ يحبُّ العبدَ التَّقيَّ الغنيَّ الخفيَّ)) – رواه البيهقي في شعب الإيمان | والغنيَّ: يعني غني النفس عن الناس.
(العين بوابة القلب)، كما قال الإمام القرطبي رحمه الله.
وأغلب المشاكل والحوادث سببها العين، كما قال الشاعر:
كل الحوادث مبدأها النظر *** ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فعلت في صاحبها *** فعل السهام بلا قوس ولا وتر.
بوابة الدنيا وشهواتها تُغلق عند غض البصر، خاصة النساء، لأنهن يقعن في شباك الشهوات سريعاً، لرقتهن وضعفهن وطيبتهن، لذلك نجد الحملات التسويقية تستهدف وتُركز وترتكز على النساء، وهي العنصر الأكثر استهلاكاً بنسبة تتعدى 70 % وفقاً لدراسات واحصائيات.
كيف نغض البصر عن الشهوات؟
الحل ألا ننظر بتمعن وحرقة على الأشياء مهما كانت جميلة وفريدة، ولا نشغل تفكيرنا بها، نظرة خاطفة ونمضي برشد وعزة، فلا أفضل من تجاهلها وتناسيها وإبعادها بشتى الوسائل … القناعة والرضا اعداء الشهوات والرغبات،
لأن عز المرء بالقناعة، وهل عز أعز من القناعة،
الشهوات تجعل الإنسان ذليلاً لا عزيزاً خاصة عندما نجد بعضنا للأسف يتملق الآخر ويتذلل لتحقيق ما يتمناه ويحتاجه من شهوات دنيوية، وهل نحفظ ماء وجهنا إن فقدناها أم ننذل لها وللناس لتحصيلها، أيهما أكرم عند الله ثم عند الناس، وقد كان أجدادنا ومازالوا ينامون جائعين لصيانة الشرف والكرامة، والحل أن نلوذ إلى جناب الله الكريم، ونعلم أن الزرق بيده لا بيد فلان وفلانة، وأن نعيم الدنيا والآخرة لا يأتيا إلا بالله ومن الله.
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ} [آل عمران:14].
غالب ضياع العباد والبلاد بالشهوات، شهوة نكاح، شهوة طعام، شهوة امتلاك، شهوة تجربة، شهوة لباس،
وتكرار التفكير فيهن يضعف النفس ليصرعها فتستسلم وتجري لمهلكها ثم لتقترف المحرامات والموبقات أو المكروهات، وعلى هذا تدور الحياة،
ولا ريب أن المحرك الاقتصادي الأول هو الشهوة،
لأن الرجل يتعلم ليكبر ويتوظف أو يتاجر ليكسب ليعيش وليجلب نصفه الثاني (الزوجة المصونة) ليكملا الرحلة سوياً ثم البنون وهكذا.. دائرة خلقها الله لنا ندور حولها،
فمنهم من يقدم ويؤخر ولا ضير،
ومنهم من يسعى بالحرام والعدوان،
ومهما استمتع فقد خاب وخسر،
والخير كل الخير في اتباع سنة الحياة بحياء.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء:1].
أطفالنا سيكونون بعون الله في مأمن ونجاح وكرامة إن تعلموا ضبط النفس وضبط الشهوات والرغبات،
لأنهم لن يكونوا سلعة رخيصة بأيدي التجار أو أيدي المغتصبين الأشرار والظلمة، لنعلمهم عزة النفس والغنى عن أشياء وممتلكات الناس مهما صغرت أو كبرت أو عظمت أو رخصت. فالغنى غنى النفس، وهذه التربية تحتاج لإرشاد وحكمة حكيمة لا لئيمة، قال الشاعر أبو العتاهية:
وَلَيسَ الغِنى نَشَبٌ في يَدٍ *** وَلَكِن غِنى النَفسِ كُلُّ الغِنى.
متاع الدنيا وسيلة وجدت لنا لنعيش ونعمر الأرض بالعدل والتوحيد، وهي مباحة لا شك ولكنها غير دائمة وليست هي معنى الحياة الحقيقة أو الغاية، فمن غرق في متاعها ضاع، وسقط في الاختبار وخسر دون رجعة،
ومن تحكم بها بحكمة واقتصاد ضمن نطاق المباحات وسار على سبيل الأنبياء والصحابة الأخيار دون إفراط أو تفريط نجح وكسب الدنيا والآخرة بعون الله.
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك:1-2].
نطمح لا نطمع، لا نجعل الطموح طمعاً وجشعاً،
لا نجعل طموحنا خنجراً نطعن به أصحاب الآمال مثلنا،
لا نبني مستقبلنا على أوجاع الآخرين، لا نقول كما قال إبليس:
{أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} [الأعراف:12].
لا نقول أنا أحق منه،
لا نقول همي نفسي وأهلي والباقي إلى الجحيم!
لا يصدر هذا إلا من شيطان رجيم..
لا شك نتمنى ونسأل الله الكريم، فما فاتنا قد يأتينا لاحقاً يوماً ما في الوقت الصحيح والمكان الصحيح،
وإن غاب واستحال فلا بأس، لا نجزع لا نسخط،
قال مكون الأكوان:
{فَإِنْ أُعطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة:58-59].
حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله إنا إلى الله راغبون
لأجل شهوة قد يخسر الواحد منا حياته وآخرته،
قد رأينا من اشتهى العيش الرغيد الوفير فسافر لبلد بعيد فمات في الطريق،
ومنهم لأجل منصب ووظيفة اغضب الله تعالى،
ومنهم لأجل رضا الرئيس أو المدير، أصبح من أهل الجحيم،
ولأجل فتاة وقع في المحظور والكبائر،
كذلك من النساء لأجل حفنة من طعام باعت عرضها وكرامتها لتصبح زانية عاصية،
ومن النساء من جعلت جسدها جسراً لدخول عالم الفن،
لنحذر فالأمثلة كثيرة ولجم الشهوات خيرٌ من الإنكباب عليها، وحفظ الكرامة وصيانة العرض والشرف مقدمٌ على المال والرغبات،
لأن ذهاب الكرامة وضياع الشرف يصبحان وصمة عار دائمة، وحفظهما وصيانتهما بصمة فخر دائمة، قال جل جلاله:
{ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الحج:10].
– الذي أراه ينطقني.
