تتوالى الضغوط علينا من كل جانب حتى أننا نكاد لا نسلم منها البتة، مع أن الحياة تفتح ذراعيها مقدمة كل وسائل الراحة المتميزة والرفاهية العالية ..
ولكن تخفي بطياتها الهموم والضغوط:
الضغوط المادية والمعيشية والوظيفية والزوجية والأسرية والحكومية والعلمية،
لا نكاد ننهي بعض الالتزامات حتى نجد التزامات أخرى،
ولا نكاد نلمس السكينة إلا وقد سمعنا بتعقيدات جديدة، عدا الضغوط الكونية من حروب وفتن وأوبئة وأمراض وإجرام الى آخره..
كل ذلك يستلزم منا الصبر والتحمل واحتساب هذا كله عند الله عز وجل،
لأجل ان يرعانا ويحفظنا ويدعمنا بالصالحين والأخيار فتهون علينا الحياة ونرضى ثم نفوز بعون الله،
وقد قيل:
“ما من ضيق مع رحمة الله.. وما من عافية مع سخط الله”
مادة (صبر) وردت في القرآن في ثلاثة ومائة موضع (103) بصيغ مختلفة،
فمنهم من نساها مثل سيدنا آدم وحواء عليهما السلام، نسيا فأكلا من الشجرة، قال الله تعالى:
{وَلَقَد عَهِدنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِد لَهُ عَزْمًا}[طه:115].
قال أهل العلم: عزماً يعني صبراً، وقدر الله وما شاء فعل،
وقصة أبو البشر سيدنا آدم عليه السلام ما هي إلا عبر ودروس لأبنائه (نحن)، وليست منقصة له معاذ الله،
فهو أبونا وخليفة الله في أرضه.،
ومنهم من ينميها ويجني ثمارها مثل سيدنا يوسف ﷺ صبر على اخوته وعلى النسوة وعلى السجن ليصبح عزيز مصر.، ومن قصص الصبر القرآنية قصة أم موسى حين ألقت موسى الرضيع في اليم حفاظاً عليه من بطش فرعون، وصبرت ليعود لها وتصبح مرضعة له.،
وقصة صبر جنود طالوت بعدم الشرب من النهر إلا من اغترف غُرفَةً بيده..
وصبر أصحاب الكهف على عبادة الله وحده ليجعلهم الله ذكرى طيبة..،
وقصة صبر سيدنا موسى ﷺ في مدين عشر سنين لزواجه وعهده مع والد زوجته.،
وصبر سيدنا يعقوب في فقدان أبنائه… والقصص كثيرة، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً.
لا نستطيع اجتياز كبد الحياة بالتأفف والضجر والشكوى أو المعاصي والمحرمات
ولا على أظهر الناس الضعفاء والأبرياء،
لنقول الحياة صعبة ولا خيار لنا وأننا مجبرون،
ومنهم من يقول: إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب!
ويحسب أنه حيوانٌ يعيش في غابة بين الحيوانات يأكل القوي منها الضعيف، قال تعالى:
{كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء:38].
وهذا النهج سيستخدم ضدنا أيضاً يوماً ما وسنضع أنفسنا في تجارب وعواقب خطرة لا يحمد عقباها،
ومن يزرع الشر يحصده ومن يزرع الخير يحصده،
والسعيد من آمن ورضي وصبر على حلو الزمان ومرّه دون أن يستسلم أو يفقد الامل،
أو سيستلزم على ذلك صبراً آخر أشد وأكبر، فنقول حينها:
يا ليتني صبرت وتحملت أولاً وأقنعت نفسي ورضيت،
{وَاصبِر لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعيُنِنَا وَسَبِّح بِحَمْدِ رَبِّكَ} [الطور:48].
قد نستعجل الرزق ولا نصبر على الحلال القليل فنسرق أو نغش فنسجن لنخسر سمعتنا وثقة الناس،
أو نبتلى بمرضٍ يكلفنا الغالي والنفيس،
أو نصطدم مع ظالمٍ غشومٍ، فنقع بشر أعمالنا لنندم ونغرق في محن تحطمنا وتأكلنا،
وقد نستعجل في الطلاق غضباً وانتقاماً ولا نصبر على بعض العثرات والهفوات،
فنندم وندمر أنفسنا ونضيعها وتضيع أسرتنا، بسبب ضعف صبرنا وتحملنا،
والعجلة فصَّلها أبو حاتم حين قال:
(العَجَل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم،
ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعدما يحمد،
ويعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم) – روضة العقلاء.
قال خالق الخلق: {فَلَا تَسْتَعجِلُونِ} [الأنبياء:37].
تجارب وشراكات عملية تجارية دخلنا فيها وفشلنا ثم أعدنا المحاولة ثم أيضاً خسرنا، ثم ماذا؟
هل نحاول أو نستسلم وننهزم! المستسلم نجده الآن موظفاً أو عاطلاً عن العمل او يائساً لم يتحمل ويصمد، في حين هناك من حاول رغم كل المصاعب والمتاعب ليصبح مديراً او رئيساً او تاجراً،
لا نقول كان محظوظاً، أو المال جعله ناجحاً،
بل لا ندري كم استغرق ذلك وكم من الآلام والمخاطر واجه والضيق عارك، وشتان بين من يجتاز البحر وبين من ينظر على الخريطة، لكلٍ قصته،
كما أننا لا نبخس المحاول الخاسر الصادق، لأنه كسب شرف المحاولة، ولكن لا نتوقف، قال الله تعالى:
{وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود:88].
أذكر اخاً كان همه الشاغل أن يكون ذو مالٍ وقوةٍ وسلطانٍ،
كان للصراحة صادقاً أميناً طيباً تقياً، لم يفتك يسعى جاهداً في مجالات شتى،
وكان ذو حظوة عند الناس لصدقه والتزامه وجهده، وتمضي السنوات وتمتد إلا أن الفشل لازمه ولم يفارقه،
وهو لا يفارق المساجد وأعمال البر والإحسان، وقد خسر المال والوقت، وكثرت الديون والهموم،
إلى أن جمعه الله تعالى مع رجل أعمال وفير المال والسلطان ليتشاركوا معاً ويقفز أخانا مالياً ووظيفياً لأعلى المستويات في ليلة وضحاها،
وتمضي السنة والتي تليها فيتكبر قليلاً وتحدث بعض التجاوزات النفسية منه وبعض الهفوات المالية،
لأن المال سيفتن لا محال وخاصة عند مصاحبة الأغنياء،
ثم للأسف يفشل المشروع فشلاً ذريعاً، وتنفض الشراكة، ويندم صاحبنا على ما حدث من هفوات وأخطاء قائلاً:
(راجعت عقلي والحليمُ يراجعُ)
وإلى الأن الديون تحيط به والهموم وما زال يسعى ويهم ويهتم دون كلالة ولا ملالة مستعيناً بالله متفائلاً بالخير.
إرضاء والدينا قبل إرضاء الجميع،
فهل صبرنا وتحملنا ولم نتأفف ولم نتراجع ولم نشتكي سعياً لرضاهما ورضا الله تعالى،
لأن حين نكبر ونهرم سنذكرهما ونقول: الحمد لله أننا صبرنا وتحملنا.
عن عمرو بن مرة الجهني رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً قال: يا رسول الله!
أرأيتَ إن صليت الصلواتِ الخمس، وصمتُ رمضانَ،
وأديتُ الزكاةَ، وحججتُ البيتَ، فماذا لي؟
قال: ((من فعلَ ذلكَ كان مع النبيّينَ والصديقينَ والشهداءِ إلا أن يعقَّ والديه)). – ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد.
امرأة كبيرة ومريضة وغضوبة وحساسة وعجولة لها ولدان لا غير، خسرت منزلها بسبب الحرب في الشام وسافرت، والتجأت لولدها الصغير لتدخل في صراع مع زوجته،
ثم تزوجت رجلاً كبيراً ليموت بعد حين،
ثم التجأت لولدها الأكبر، ولكن الخلاف كان لا يغادرهما،
ثم عاشت وحيدة، لينفق عليها أحفاد ضرتها،
ومضت السنوات والبر شحيح واخلاقها تزداد سواءً، ولسانها لا يرحم صغيراً ولا كبيراً، تشتمهما وتصغر منهما أمام الجميع،
وتأبى السكن معهما مهما كان، وصحتها تتدهور لا تقوى على المشي ابداً ولا دخول المرحاض عدا الأمراض تحوطها من كل جانب،
حتى راجع ولدها الأصغر عقله والحليم يراجع، فسعى بجد وأمانة يحتال على زوجته لتوافق وعلى أمه لتوافق وتقدم لتعيش معهم،
وهو معدوم الحال ذو عيال وديون،
فأتت وعاشت إلى أن توافها الله وقد تعب في حملها وتنظيفها وتطبيبها واطعامها، كانت راضية عليه،
وماتت على ذلك، ليقول ابنها:
الحمد لله أني لم أتركها وصبرت.
الشهوة الجنسية المحرمة تصرعها او تصرعك،
إن صرعتك اودتك المهالك وأوقعتك في الفواحش والمساوئ، لتجد نفسك تتخبط في المنكرات ولن يشفى غليلك ولن يرتاح ضميرك ولن يهدئ فؤادك ولسان حالك يقول: هل من مزيد…،
والحرام سبيله لا محالة الشتات والضياع والفقر،
وقد مر في حياتي الكثير ممن وقعوا في المنكرات والفواحش ومازالوا فيها، وإذا رأيتهم تعجبك أشكالهم،
ولكنهم من سيئ لأسوء في كل مجالات الحياة.
وتصديق ذلك قول الله سبحانه وتعالى:
{إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} الإسراء:32
هدانا الله وإياهم،
ولكن ان كانت شهوة في الحلال تكون عزاً وفخراً وأجراً،
كيف ذلك؟
العزة تكون بالأبناء والأحفاد والأصهار،
والفخر يكون بتكوين الأسرة المسلمة الصالحة المصلحة، والأجر يكون بتفضيلنا الحلال عن الحرام…
وهذا كان سؤال الصحابة الكرام للرسول ﷺ، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، أَيَأتي أَحدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكونُ له فِيهَا أَجرٌ؟
قالَ: «أَرَأَيتُم لو وَضَعَهَا في حرَامٍ، أَكانَ عليه فِيهَا وِزرٌ؟ فَكَذلكَ إذَا وَضَعَهَا في الحلَالِ كانَ له أَجرٌ» – حديث صحيح رواه الإمام مسلم.
وأنا أكتب عن الصبر تعرّضت زوجتي وابنتي لحادثٍ أثناء استمتاعنا بأجواء العيد مما تسبب بكسر يد زوجتي اليمنى،
عدا الفزع الذي أصابنا، وسلمنا من دون إصابات لطفلتي، وتم الإسعاف ليلاً، و
تلاشى العيد تماماً، فقدر الله العزيز الحكيم وتم إجراء العملية بحمده وفضله،
ونشكر الله عز وجل على السراء والضراء،
وقد واجهنا بعض المصاعب والمتاعب ولكن قدر الله وما شاء فعل.
قال رسول الله ﷺ:
«عَجِبتُ لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ خيرٌ، إن أصابَهُ ما يحبُّ حمدَ اللَّهَ وَكانَ لَهُ خيرٌ، وإن أصابَهُ ما يَكْرَهُ فصبرَ كانَ لَهُ خيرٌ،
وليسَ كلُّ أحدٍ أمرُهُ كلُّهُ خيرٌ إلَّا المؤمنُ» – أخرجه الإمام أحمد.
مشاق طاعة الله تعالى والعبادات ليست بالأمر الهين،
قال أصدق الخلق ﷺ: «حفَّت النار بالشهوات، وحفَّت الجنة بالمَكَاره» – حديث صحيح.
نصبر على غض البصر والصلاة والدعاء وبر الوالدين وصلة الأرحام والصيام…
وكلها مكرهات على النفس البشرية لأن طبيعتها الركون للكسل والبطر وحب التحرر من المسؤوليات،
خاصة ما نواجهه في زماننا من إغراءات وفتن ما يفوق العقل والتصور،
الناس تتفنن في فتن الناس، لأغراض سياسية وتجارية وحرب دينية، عدا أن أهل الباطل يدعمون باطلهم وينشرون قصصهم وانجزاتهم الرخيصة،
وكلها مغريات جذابة للنفس، منمقة ومزينة،
والبعض وقع في المنكرات والمعاصي والشهوات بسبب أصدقاء السوء، والإختلاط، والأفلام والمسلسلات، والمشاهير، ومواقع التواصل الاجتماعي، والنفس الأمارة بالسوء، فمنهم من راجع نفسه وتاب وآمن وعمل صالحاً، ومنهم منغمسٌ لا يكاد يرفع رأسه،
{قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [ق:27]،
ونكاد نعجز عن حماية أنفسنا وأحبابنا من تلك الفتن المظلمة المتعاقبة علينا جميعاً، والحذر من القول:
أنا قوي على الفتن لا أتأثر!!
بل الإجتناب والتقوى أولى،
لذلك الحذر الحذر، قال الله العليم الخبير:
{يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف:27].
الصبر على تربية الأبناء بالحكمة والموعظة الحسنة والتشجيع، وتجنب اظهار الملل والضجر وتجنب التخوين والبخس والتجريح أو الدعاء عليهم،
لأننا قد نيأس ونفقد الامل، ثم ما إن يمضي الزمان لنجدهم أفضل مما تصورناهم،
وفي وصايا لقمان لابنه العبر والحكم، كما في سورة لقمان:
{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]،
{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصبِر عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان:17].
وأني لأعلم اخاً كان في ضلال بعيد بين كل أفراد عائلته، والعائلة كبيرة،
أتعبهم وأرهقهم جميعاً، كثير الهروب من المدرسة، ثم ترك الدراسة كلياً،
لا يعمل ولا يملك مهنة، يدخن، ويسهر، ويتضارب يومياً في الشوارع، ويغيب ويختفي، غضوباً عجولاً،
يصلي صلاة الجمعة فقط، باع عدة مرات أغراض منزلهم دون علم أهله، ويضرب اخوانه،
حتى أن والدته كانت تحلم به من كثرة حزنها وألمها وكانت تدعو له لا عليه،
وبعد اليأس التام سعوا إخوانه لتغريبه عن الشام، فنجحوا، وبذلك وبعد حين سبحان الله بدت بوادر طيبة،
ثم سعوا في تزويجه وتزوج قبل جميع أصحابه بتوفيق الله،
ولا شك ما زال هناك عيوباً ومساوئ لم تتغير،
ولكن بصيص أمل كان يلوح في الأفق،
وتمضي السنوات لتموت والدته ثم والده،
لاحقاً وبفضل الله تعالى ثم الصحبة الصالحة والبلاء تغير وتبدل كلياً للأفضل ساعياً لمرضاة الله وتعويض ما فاته.
قال سبحانه وتعالى:
{وَلَسَوْفَ يُعطِيكَ رَبُّكَ فَتَرضَى (5) أَلَمْ يَجِدكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَر (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَر (10) وَأَمَّا بِنِعمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى:5-11].
هناك قصة جميلة وعجيبة لأحد الصالحين حين قال:
شكوت إلى عمي وجعاً في بطني، فنهرني ثم قال:
يا ابن أخي، إذا نزل بك شيء فلا تشكه إلى أحد،
فإنما الناس رجلان، صديق تسوءه، وعدو تسره،
والذي بك لا تشكه إلى مخلوق مثلك لا يقدر على دفع مثله عن نفسه،
ولكن إلى من ابتلاك به، وهو قادر على أن يفرج عنك (يعني الله عز وجل)..
يا ابن أخي إحدى عيني هاتين ما أبصر بها سهلاً ولا جبلاً من أربعين سنة،
وما أطلعت على ذلك امرأتي ولا أحداً من أهلي. – التذكرة الحمدونية – لابن حمدون.
فالصبر على البلاء، وعلى العلاج، وعلى العمليات، أو الإعاقات، تثبت صلابة وكرامة المبتلى،
لأن تلك المصائب ليست هينة، ولا يتحملها ويصبر عليها إلا ثلة من الأبطال الشجعان، ثلة من الناس تمتاز بصفات وطاقة تحمّل جبارة، زرعها الله فيهم سبحانه وتعالى، تجدهم محتسبون صابرون صامتون شاكرون، قدوات خلقهم الله سبحانه وتعالى:
{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِم وَرَحمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:156-157].
وجزاؤهم الجنة بعون الله.
نصبر على الفقر والقلة ولا نبيع سمعتنا وأخرتنا،
ولنا في هذه المرأة الصالحة العبرة حين قالت لزوجها قبل خروجه من المنزل:
(اتق الله فينا، ولا تطعمنا حراماً، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار).
وإن تربية وأخلاق ومبادئ الأنسان تظهر جلياً في هذه المواقف، منهم يختار الأعمال الدنيئة مقابل العيش الكريم،
وأي كرامة في الحرام والغش والسرقة والتعدي والمنكرات.
قال الله مالك الملك: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[ [البقرة:268].
الصبر على القلة من أهم ركائز الحياة والمعاش لأن من لا صبر له سيلجأ لطرق ملتوية محرمة، والحرام سيجر لمحرمات أكبر وأشنع،
عدا أظهار الضعف يفتح علينا تسلط المستغلين سفلة المجتمع، الذين لا عهد لهم ولا ذمة،
فالرزق المقسوم سيأتي لا محالة بإذن الله،
ومن الأمثلة المحزنة:
من تبيع شرفها ودينها واخرتها لتلبي حوائجها الدينوية، فمهما كانت تلك المبررات إلا أنها لا تحلل هذه الفظاعة والشناعة،
وهذه الحاجة المأخوذة كانت ستأتي لو صبرت، فكما توفرت بالحرام لتوفرت بالحلال، ولكن في العجلة ندامة،
ولا يقلها شناعة وخسة لمن استغل حاجة وفقر بعض النساء ليقضي منهن شهواته الشيطانية،
دون مراعاة لحالهن والإسلام والمروءة، اللهم إنك تسمع وترى.
وقد أثنى الله تعالى على الفقراء أصحاب العفة والكرامة، فقال تعالى:
{يَحسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة:273].
الصبر على أخطاء الآخرين له مواضعه وحالاته،
مثل أن نكون كالموتى لا نتكلم او نعقّب على أخطاء الناس التي قد تضرنا وتضرهم أو تهلكنا جميعاً،
أو نترك الظالم الى أن يقتلنا أو يفنينا،
أو نترك المظلوم لحتفه.
قال ﷺ: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً».
فقال رجل: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟
قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره».- رواه الإمام البخاري.
أَوَ نترك المتهور الى أن يؤذينا،
أو نترك المعاصي الى أن تنتشر بيننا وتصبح عادة،
قال ﷺ: «والَّذي نفسي بيدِه لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتنهَوُنَّ عن المنكرِ أو ليوشِكَنَّ اللهُ يبعثُ عليكم عذابًا منه ثمَّ تدعونه فلا يستجيبُ لكم»
– رواه المنذري في الترغيب والترهيب.
لا يصح أن نتمادى ونعتدي على الآخرين بحجة الإصلاح،
إلا عند الضرورة، ولكن بالحكمة والموعظة والحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، خاصة الأقارب.
الذي أراه ينطقني.
