الحياة الدنيا

الله سبحانه يعطي الدنيا للمسلم الصالح والطالح
ويعطيها أيضاً للكفار الذين يكفرون به ويتقولون عليه الأقاويل، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً،
فالدنيا لهم جميعاً دار اختبار والاخرة دار حساب،
ومهما عمّروها وصنعوا بها من مصانع ومدن ووسائل راحة وقوة وانتشار.. فلن تغني عنهم شيئاً يوم القيامة،
كالطالب الجامعي يدخل الجامعة فيسعى لتزيّنها وتطوريها ولكن لم يراجع المنهاج الدراسي ولم يحسب حساب الإختبار، ستشكر إدارة الجامعة له صنيعه طبعاً، ولكنها حتماً عند الإختبارات يُكرم أو يهان، ولنا في هذه الآية كل العظة،

{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ} [هود:15-16].

والحل: أن تستقيم وتعمرها.

منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة،
نجد هذا بين الأزواج والأحباب والإخوان والمجاهدين والقادة والملوك، طريقان لا ثالث لهما،
طريق الآخرة له اعتباراته وميزانه وتضحياته وعالمه وأنصاره، كذلك الدنيا،. والموفق من وفقه الله تعالى وجمعهما معاً لأجل هدف واحد وهي الآخرة،
والمخذول من باع الآخرة الباقية الثمينة لأجل دنيا فانية رخيصة لا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة.
عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ:

«لو كانت الدُّنيا تعدِلُ عند اللهِ جناح بعوضةٍ ما سقَى كافرًا منها شربةَ ماءٍ» _ حديث حسن رواه المنذري.

لا نقول أن نترك الدنيا كلياً بل نسدد ونقارب،
نريدهما معاً بتوازن وفاعلية، وإن حدث أن نختار بينهما بين الحرام والحلال سنختار الحلال لأنه الطريق الى الدار الآخرة.

الدنيا ومبانيها وشوارعها وغاباتها وسماؤها وأرضها ونباتها وماؤها وناسها وملذاتها وجبالها وسهولها وقصورها وطيبتاها وذهبها وألماسها وبحارها وأنهارها تأخذ بألباب الناس،
فمنهم من لا يصبر على ذلك كله فنراه يسرح ويمرح في الدنيا ويسعى جاهداً لتحصيل ملذاتها كلها بشتى الوسائل دون مراعاة للمبادئ ولا النواهي، ولو على أكتاف الناس وأوجاعهم وآهاتهم، ولو على تدمير سمعته وآخرته وتقطيع أرحامه، ولو على الظلم والقمع والتجبر والتكبر والقتل والدماء والإجرام.
قال تعالى:

{أَذْهَبْتُم طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ} [الأحقاف:20].

ومنهم من يستمتع بجميع المذكور ولكن بالمعروف وبالحلال بخير وللخير.

صاحب الدنيا سيرزقه الله نفوذاً وأملاكاً وبسطة في الجسم والعلم، وليس ذلك لحب الله له، لأن الدنيا وخيراتها ليستا للمؤمن دون الكافر أو الفاسق أو المنافق،
قال تعالى: {واللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور:38].
الكثير من أعداء الله عز وجل أصحاب ثروات هائلة مثل اليهود، وحتى الغرب يعيشون في ترف ورخاء،
ولكنهم بعيدون عن الله تعالى، بعيدون حتى عن النصرانية وتعاليمها، وعن الكنائس،
والإلحاد يفتك بهم فتكاً، أصبحوا أصحاب مبادئ مادية شهوانية، يدورون حول الرّحى، لا يرون إلا المصالح والمادة والمقابل، يرون الدنيا بنور المال، بعكس الإسلام والمسلمين، أصحاب رسالة يرون الدنيا بنور الله سبحانه،

{يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور:35].

يستصعب بيعهم أو شراؤهم أو استغلالهم،vلا يبيعون آخرتهم لأجل الدنيا وزينتها،
وإن تنازلوا وضلوا لا بد أن ينتبهوا ويعودوا يوماً ما.

الحياة ليست متجر ألعاب وليست نادياً رياضياً وليست شركة تجارية بل هي حياة متكاملة،
علم وزراعة وصناعة وانتاج ودراسة وإحسان وبر ومعروف وزواج وأسرة وصلة أرحام وجهاد واحسان وسلام وعبادة وإيمان، والمخزي من يترنح بين تلك المتاع ثم يطعن ويرمي أهل الجهاد والتقى والعلم والشرفاء.
قال الله العليم الخبير:

{وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحسِنْ كَمَا أَحسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:77].

لنتمعن في هذه الآية ونرددها، لأنها كافية شافية وجامعة.

الأمة تحتاج لرجال يساندون ضعافها وينصرون مظلوميها ويقفون بوجه ظالميها ويواسون فقيرها ويتيمها.
قبل 100 عام لم نكن موجودين على هذه المعمورة،
بل كان هناك أقوام اخرون، عاشوا وعملوا وكتبوا واكلوا وشربوا وتقاتلوا وتصالحوا وماتوا..
وقد استمتع بالدنيا من استمتع، وخسر من خسر،
وفاتت الفرصة على من فاتته، لا رجعة لا استغفار ولا إصلاح، وبعد 100 عام لن نكون هنا أيضاً، ولكن اليوم والأن وفي هذه اللحظة يمكننا أن نأخذ قراراً جاداً ونغير ونتغير،
ونعوض الفائت بلاحق مُشرفٍ، نبادر قبل فوات الآوان،
لأن التسويف والتأجيل من مكايد الشيطان،
يغر العبد إلى أن يفوته ليس الركب فحسب بل الدنيا كلها.

{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون:99-100].

يستحيل أن تخضع الدنيا لإنسان مهما كان شريراً كافراً سفاحاً عنيداً جباراً ومهما طالت سطوته واتسعت دائرة نفوذه وتحالفاته، لا يمكن للظلم والظلام أن يحجبا ضياء الشمس والحق، فالغلبة للحق،
فالحق مؤيدٌ من الله القوي القهار،
الروم وفارس والتتار وغيرهم أفناهم الله تعالى برجال مؤمنين أقوياء أشداء، عرفوا وعانوا الظلم فحاربوا الظالم وظلمه،
علموا أن العاقبة لهم في الدنيا ولهم عند الله حسن ثواب الآخرة. قال خالق الأكوان:

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق:36-37].

فكيف لك أن تقف مع الظالم وتحارب الله في أرضه،
ألم تقرأ الكتب وتسمع الأخبار، وتراجع قصص الجبابرة والطغاة كيف هوت وعُذبت وتلاشت،
وكيف لك أن تستسلم للظلم، كيف لك أن تظن ولو ظناً أن الله يرضى بذلك.. معاذ الله، ولكننا في اختبارات لينال ظالمها جهنم ولينال مظلومها جنة الخلد.

{أَنَّ الْأَرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء:105-106].

التنازل عن مبادئ وتعاليم الإسلام القويم لأجل متاع الدنيا من وظيفة أو زواج، وصداقة، وموضة، وشهرة، ومال، وشهوة، وفواحش، أو مجارة العصر والغرب أو للانتصار على فلان وفلانة، تعكس تضعضع عقلية المتنازل،
الأقوياء ذوو الشخصيات الكريمة متمسكون بأنفسهم على كل المذكور وعلى المستحدثات الطارئة،
والطوارئ قطعاً لا تنتهي، يعلمون أن مبادئهم صحيحة لا غبار عليها ولن تباع أو تتبدل إلا لله الواحد القهار،
وبائعها المتنازل أضاع نفسه وأهله وأوضح للناس بأنه من الشخصيات المتقلبة الدائرة مع المصالح والشهوات الرخيصة..
وقد رأينا أناساً كانت متماسكة متألقة انخدعت بمتاع الدنيا حتى فقدت هيبتها ودينها وسمعتها،
حتى أن المتاع لم تدم لهم طويلاً.

ومن الأمثلة الحقيقة:
تنازل لأجل زوجته ثم بعد سنوات انفصلا.
مثال اخر: لأجل إرضاء صاحب العمل سعى في غش العملاء والكذب والرشاوي، ثم تخلوا عنه بعد سنوات.
مثال اخر: لأجل أن يثبت أن الدين يسر، سعى جاهلاً في تميع وتهميش بعض آيات الله وسنة رسوله مع تأييد الفلاسفة الضالين، ليجد نفسه في ضلال بعيد.
مثال أخر: بعد اغترابه في بلاد الغرب، سعى للإندماج ولكنه واجه انتقادات أن الإسلام دين الإرهاب، فلم يحسن الدفاع ووقع في فخ الحيرة والوساوس، فألحد وكفر بالله، عافانا الله.
مثال أخر: داعية يريد اثبات بعض المسائل الفقهية والعلمية، جوبه بالتقريع، فرد بقسوة وتشنيع، حتى أصبح يُكفر بعض علماء السلف الأجلاء ويجعلهم في النار، والعياذ بالله.
مثال أخر: لأجل اكفاء حوائج زوجته وأبنائه أصبح يأكل الحرام ويطعمهم حراماً، ثم عند أول هبوط مادي، خسر قيمته أمامهم.

لا نكاد نجاري التطور السريع، وسبل الراحة التي لا تكاد تعد ولا تحصى تنتشر في كل مكان،
ولا الأسواق المضيئة ولا المباني المبهرة، أو السيارات والطائرات والسفن والقطارات والدراجات والهواتف والألبسة والأجهزة والأثاث، ولا الحدائق ولا المطاعم الفاخرة ولا الأطعمة المتنوعة اللذيذة.. جاء هذا العصر وبيده حقيبة متنوعة لامعة ساحرة سحرت أعين الناس..

لا أقول لا نلتفت أبداً، بل نسعى أن نواكب هذا العصر بتروي وحكمة ومروءة، لكيلا نفقد أنفسنا وكرامتنا وأطفالنا كما حدث للغريين الذين يعيشون حالة من التخبط والمادية البشعة، ويسعون للسعادة بإستهلاك كل الإمكانيات المتاحة بالفجور والخيانات والفواحش والحفلات والمخدرات…
ثم نجدهم ندامى في اكتئاب ووحدة.
عن شَدَّاد بن أَوسٍ رضي الله عنه قال ﷺ:

((يا شدَّادُ بنُ أوسٍ! إذا رأيتَ النَّاسَ قد اكتنزوا الذَّهبَ والفضَّةَ؛ فاكنِز هؤلاء الكلماتِ: اللَّهمَّ، إنِّي أسألُك الثَّباتَ في الأمرِ، والعزيمة على الرُّشدِ، وأسألُك موجِباتِ رحمتِك، وعزائمَ مغفرتِك، وأسألُك شُكرَ نعمتِك، وحسنَ عبادتِك، وأسألُك قلبًا سليما، ولسانًا صادقًا، وأسألُك من خيرِ ما تعلَمُ، وأعوذُ بك من شر ما تعلَمُ، وأستغفرُك لما تعلَمُ؛ إنَّك أنت علَّامُ الغيوبِ)) _ حسنه الألباني.

إن وجدنا أنفسنا نخرج عن جادة الطاعات والعبادات والإحسان للعباد والبلاد، أوقاتنا جلها تدور في فلك الكماليات الدنيوية والمادية والعملية، فما علينا إلا التوقف وإعادة النظر، والتفكر ملياً عن مدى العمق الذي نغرق فيه، ولنعلم أننا نستخدم رزق الله في غير مرضاة الله،
نحن لم نُخلق فقط للإستهلاك والنوم والعمل والزيارات… فالدنيا أكبر من ذلك..
ولا نغتر بالنمط الغربي كثيراً، لأنهم يعملون ويعيشون كالآلات وتخنقهم الوحدة والمادية،
وليس كل من ملك الأملاك والأموال ذو سعادة وتوفيق،
أو أنه على الحق المبين، قال رسول الله ﷺ:

((وَإِنَّ اللَّهَ عز وَجَلَّ يُعطِي الدُّنيَا مَن يُحبُّ وَمَن لا يُحبُّ وَلا يُعطِي الدِّينَ إِلا لِمَن أَحبَّ فَمَن أَعطَاهُ الله الدِّينَ فَقَد أَحبَّهُ)) – رواه الإمام أحمد.

  • الذي أراه ينطقني.
مواضيع ذات صلة
الإنسان الاجتماعي
الإنسان الاجتماعي

قيل: (إن للإجتماع روحاً لطيفاً فاعلة في النفوس كل جميل).. والإنسان يحب الاستئناس بالناس، يحب الحوار والأصحاب والجماعات والاجتماعات، ويحب اقرأ المزيد

محبة
محبة

للوطن محبة، ومحبة الحي، محبة الجيران والأهل، هي الطفولة هي الماضي والتاريخ والذكريات والأصحاب محبة لا تقارن لا تضمحل مع اقرأ المزيد

الحب
الحب

الحب ليس تجربة وليس شهوة وليس سباقاً أو تحدياً أو تفاخراً أو عذاباً… الحب يا كرام هو محبة ذات وجوهر اقرأ المزيد

الاختلاط
الاختلاط

الاختلاط قد يرغبه الكثير ويستحسنه، لأن النظر إلى النساء والتعامل معهن ليس بالشيء السيء للنفس الأمارة بالسوء، وكذلك العكس من اقرأ المزيد