الخوف والقلق المستمران خاصة من الأوضاع الاقتصادية، الكونية، السياسية، الصحية، المعاشية،
تصيبنا بأمراض نفسية ثم جسدية ونتاجهما الفشل والكسل والضياع والخوف…
فالأولى محاربة الخوف والقلق بتغيير الصحبة الفاشلة واجتناب الأحاديث السلبية وإذاعات الأخبار والقصص البائسة والعادات الضارة…
كما أن الأخبار أكثرها مبالغات وترهيب تبث المخاوف لا الاطمئنان والأمان،
عدا أنها تقلب الحقائق وتلفق التهم وتنشر المنكرات وتجعل الحق باطلاً والباطل حقاً،
فلا نهمل متابعة المفيد من قصص الأقوياء والشجعان والخلفاء والقادة وقصص الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام،
أيضاً قصص الصحابة الكرام عليهم رضوان الله:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90].
خوفنا من الحياة والموت والفقر والمرض والفشل والأشرار والجن والإنس جميعها مرتبط بحبنا للحياة،
وخشيتنا من الله عز وجل، ومدى علمنا بسنة نبيه ﷺ،
غلبة الخوف علينا وعدم الرضى بكل ما أصابنا أو سيصيبنا دليل سلبي على نقص العلم وضعف الإيمان وسوء الظن بالله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت:30].
كلنا نخاف حتى الجن والدواب يخافون الأذى والموت ويحاربون لأجل الأمان والطعام والزواج..
ولكن هل نواجه الخوف ليزول أم نتركه ليسيطر علينا ويتحكم بنا! خياران لا ثالث لهما،
وهل نتغلب على الخوف بإخافة الناس وإلحاق الضرر والبغي عليهم كما يفعل بعض الأشرار الفجار من ترهيب العباد والتسلط على الأموال والأملاك حرصاً على النجاة وحباً للحياة
ويتجاهلون عقاب الله المنتقم الجبار؟
فهذا الخوف ساق المضرة والندامة،
ولن نميز الخطأ من الصواب ونتزن ونعلم حرمة الدماء والأموال والأعراض إلا بالقصاص من الظلمة والأشرار عن طريق ولاة الأمر الأخيار،
وبالعلم الشرعي عن طريق علماء الأمة الذين سيحذرون هؤلاء الفجار، وينبهون الناس منهم، وسيخبرون ولاة الأمر عنهم.
{وَقُل رَبِّ زِدنِي عِلْمًا} [طه:114].
مخاوفنا حقيقة أم توهم؟
لدي خوف دائمٌ من السباع!
هل أنت تعيش بين السباع في الغابة لتخاف؟
هل هناك سباع يصولون ويجولون في الطرقات؟
ابحث بواقعية عن المخاوف وستجد أنها أوهاماً بعيدة عن الواقع في غالبيتها قد تسلطت عليك،
من المحتمل أن يكون مصدرها صديق أو رفقة أو كتاب أو إشاعات أو برامج تلفاز.
مثال آخر، أنا سأفشل!
هل تكذب وتحتال وتغش في شؤون حياتك وتظلم الناس وتعصي الله تعالى وتعق والديك وتخون.. طبعاً ستفشل،
لأن أفعالك هي السبب لا غير،
لذلك البحث عن المشكلة وإيجاد الحل هو نصف العلاج والنصف الباقي هو التطبيق والتنفيذ والانضباط،
كن مع الله، ترى الله معك.
نعم نخاف من ارتكاب المعاصي والظلم والموبقات ونحسب حساب يوم الحساب وعذاب القبر والموت والسؤال لأننا نخاف الله رب العالمين..
نحبه ونخافه ونخاف أن نموت على الضلال فنندم حين لا ينفع الندم..
لأن الجزاء حينها الخلود في النعيم أو الجحيم، قال تعالى:
{وَمَنْ أَعرَضَ عَنْ ذِكرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعمَى[ [طه:124].
قال سبحانه أيضاً: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحزَنُونَ} [البقرة:38].
لولا شجاعة الأنبياء وتغلبهم على المخاوف لما وصلت إلينا الرسالات السماوية ولا وصلنا الإسلام،
ولولا شجاعة الصحابة وصبرهم وصدقهم ومن بعدهم لما انتشر الإسلام في أرجاء المعمورة..
ولو خافوا الأمم وخافوا الفشل والفقر أو الموت لبقي الإسلام داخل مكة المكرمة،
فهؤلاء سادة المسلمين وآباؤهم وأحبابهم وقدوتهم، وأصحاب نبيه ووزرائه،
ونحن على آثارهم بعون الله وبهم نفتخر، كما قال الشاعر:
أولئِكَ آبائي فجِئنِي بِمِثلِهِم ** إذا جَمعتنَا يا جَريرُ المَجامِعُ
فالنجاحات لا تكون إلا بالأمل والعمل والشجاعة والعزيمة. قال الله عز وجل:
{فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة44].
نخاف أحياناً من الأشرار والظلمة،
فهم أهل الفساد والسوء ونوع من أنواع الابتلاء الذي لا يستهان به لتنقلب حياة الإنسان من النعيم الى الجحيم، كالاحتلال مثلاً أو الحروب، وكبغي الأغنياء وموظفي الدولة أصحاب النفوذ على أبناء الشعب والتسلط على أموالهم والاعتداء على أعراضهم،
وكبغي الأشرار أصحاب السوابق من مجرمين وسارقين على أبناء جلدتهم من اعتداء وسرقة وتعدٍ،
كفانا الله العزيز القوي شرهم جميعاً،
فمن خاف قوماً أو عدواً فإنه يشرع له أن يدعو كما دعا النبي ﷺ:
«اللهم اكفنيهم بما شئت»،
«اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم»،
فمن أقوى الأسلحة وأهمها عند الشجعان من أهل الإيمان مخافة الله وحده، فإن وجدت في القلب واستقرت،
أزال الله سبحانه ما عداها من مخاوف مهما كانت،
قال ربنا تبارك وتعالى:
{فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:175].
مخاوفنا من الأمراض، الفقر، الطلاق، البطالة، الفشل، الموت، الخيانة.. قد تصبح واقعية إن استمرت ولاقت بيئتها المناسبة في الفكر والقلب،
لأن المخاوف مثل باقي الأحاسيس تنمو وتصغر من كسبنا لا يزرعها إلا من أرادها ومال إليها،
فالخوف الشديد يعطل الحياة كلها، ويصدنا عن العمل والتوسع والتطور والتجارة وحتى عن الزواج،
وقد تكون المخاوف واقعية لأسباب عديدة!
ولكن يبقى الأمل موجوداً وكما أننا نذكر وننظر إلى الجانب السلبي،
علينا النظر أيضاً إلى الجانب الإيجابي لنعيش بتوازن فالإنصاف مطلوب.
لا ينصح بمصاحبة الجبناء
مهما كانت منزلتهم أو قرابتهم،
فالجبان حيثما اتجه لا يفلح،
لا دينياً، ولا اقتصادياً لا اجتماعياً، لا عائلياً، ولا عسكرياً،
فهم يضعون الأثقال والأعباء علينا حتى نغرق في بحر المخاوف،
وحتى أن النطق بالألفاظ السلبية لا يصح،
أنشد القاضي ابن بهلول:
لا تنطقن بما كرهت فربما *** نطق اللسان بحادث فيكون.
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إِنَّ الْبَلَاءَ مُوَكَّلٌ بِالْكَلَامِ» – رواه القاضي أبو يوسف في الآثار.
وكذلك يخشى على من عير أحداً بذنب أو بلاء أن يبتلى بما عيره به، عن ابن سيرِينَ قال:
(عَيَّرتُ رجُلًا بِالإِفلاسِ فَأَفلَستُ) – الآداب الشرعية.
الذي أراه ينطقني
