احترام الناس والتأدب معهم

قال المتنبي:

وما الحسن في وجه الفتى شرفاً له *** إذا لم يكن في فعله والخلائِق.

الأدب والاحترام يعكسان القوة والرزانة والإيمان،
فهما خير دواء في كل المواطن والأماكن والأزمات والنقاشات، كما أنهما من أفضل الأسلحة والدفاعات وأجودها ضد القريب والبعيد،
بهما يعلو شأنه ويزداد أحبائه ويقل أعداؤه،

{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَع بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34].

الأدب والاحترام بضاعة يتبادلها الجميع،
وهي من سمات عالية القوم على الإطلاق،
يتبادلونها مع الصغار والكبار الأغنياء والفقراء الأباعد والأقارب والجيران والغرباء، ولا ريب أن البضاعة ستربو وتربح،
ومكاسبها مثمرة وغنية، مادياً واجتماعياً، نفسياً ودينياً،
لأن من يزرع يحصد، قال الحطيئة:

مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ ** لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ

تأدبنا واحترامنا لمن هم دوننا عمراً وقدراً ومالاً وعلماً،
إشارة جلية على غناء تربيتنا وبيئتنا وأصلنا،
فالمسلم يسالم الجميع ويكف عن الجميع لسانه ويده ولا يخرج منه إلا طيب القول والفعل،
ومهما واجهنا من إساءات رددناها رداً جميلاً أو تجاهلناها بحكمة، لأن الرد على السفيه سفاهة.
قال الشافعي رحمه الله:

إذا نطق السفيهُ فلا تُجبهُ       فخيرٌ من إجابته السكوتُ
فَإِن كَلَّمتَهُ فَرَّجتَ عَنهُ          وَإِن خَلَّيتَهُ كَمَداً يَموتُ

وهناك قائلاً قال:
السفيه لا يوجد ما يخسره لأنه سفيه،
والعاقل لديه الكثير من القيم والوقت والأهداف.

مع أزواجنا وأبنائنا وجيراننا وزملائنا الأدب والاحترام يقويان العلاقة ويدعمها ويحفظها من الضياع والتفكك والصراع،
وهذا لا يعني إقصاء الحزم والجدية في وقتها إن لزم الأمر،
ولا يعني قبول الانحطاط والذل بحجة التأدب،
فبعض المواقف تحتم علينا الرد الحازم ولكن المحترم، وتحتم علينا التأدب تفادياً للندم وخسارة الناس،

«ما من شيءٍ أثقَلُ في الميزانِ من حسنِ الخُلُقِ» -وصحح إسنادَه شعيب الأرناؤوط.

سئُل رسول الله : «فمَن أحبُّ عِبادِ اللهِ إلى اللهِ؟
قال: أحسَنُهم خُلُقًا» – صححه شعيب الأرناؤوط في صحيح ابن حبان.

وخير الناس من يهب الأدب والاحترام مجاناً لمن حوله دون مقابل،
ومن الناس من يتردد في تقديمهما ولكنه يطلبهما بالمجان لأنه يرى لنفسه مالا يرى لغيره،
ومنهم من لا يقدمهما إلا إذا وجدهما ولمسهما،
كما لا يصح مطالبة الناس بهما بالقوة والفظاظة،
أعطني لأعطيك! عاملني بأدب واحترام لأعملك بالمثل،
لأن من أحسن معاملتنا شكرناه وقدرناه،
ومن أساء اجتنبناه، فهما يا سادة يا كرام تربية وليسا ضعفاً.

{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان:63].

الأدب والاحترام الحقيقيان الصحيحان لا يكونا إلا مع من عادانا، شتمنا، أزعجنا، هاجمنا أو آذانا،
وتظهر حقيقة التربية الراقية عندما نثبت جدارتنا في كظم الغيظ والعفو والإحسان عن المسيء، ولن يضيع الله صبرنا وعملنا،
وننوه بأن الحكمة تقتضي الرد المناسب في المكان والوقت المناسبين،
مع الاحتفاظ برباطة الجأش وفطنة الردّ وعدم الانفجار في الخصام وتحمل الزلّات من الناس،

مع مراعاة الكبار والأقارب والأهل والجيران،
وما الفائدة أن نصبر ونصبر ونتحمل ثم ننفجر ونهدم صورتنا أمام الله والناس، وقد قيل:
“الصبر مرٌ مذاقه ولكن عواقبه أحلى من العسل”.

مؤدبٌ محترمٌ خلوقٌ أمينٌ صادقٌ.. لو كانت هذه سمات وصفات وسمعة من نريد مصاهرته أو مشاركته أو السفر معه.. لا ريب سنسعد ونطمئن ونمضي قدماً معه بعون الله، لأن هذه أهم وأكثر ما يجذب الناس لبعضها البعض،
قال ﷺ:
«أكمل المؤمنين إيماناً أحاسنهم أخلاقاً، الموطؤون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف»  السلسلة الصحيحة.

تقدير كبار السن والتأدب معهم وإن كانوا على خطأ في غاية الأهمية، لا مفاوضة فيه ولا نقاش،
لأن توقيرهم من الدين وهي عادة عريقة قديمة من عادات العرب الأقحاح، فإجلال ذي الشيبة المسلم من إجلال رب العزة سبحانه،
فالأمر كما نرى في غاية الخطورة،
ولا يصح إلا الصحيح، ولا يقبل مطلقاً إطلاق اللسان أو البنان عليهم ولا تهديدهم، ولا تعنيفهم، ولا تخويفهم، ولا مسهم بسوء أو كيد..
ولنعلم بأن الأيام دول وقد يرسل الله علينا أناساً لا ترحمنا عندما نشيخ ونهرم.

قال ﷺ: «إن من إجلالِ اللهِ إكرامَ ذي الشيبةِ المسلمِ»  صحيح أبي داود.

وهذا الإكرام وإن كان للمسلم بالخصوص ولكنه لكل كبير في العموم نصرانياً كان أو يهودياً.

هُنّ القواريرُ رفقاً بالقَواريرِ   وهُنّ لو كنتَ تدري كالأزاهيرِ

التأدب مع القوارير، الفتيات والأمهات، المعلمات، الممرضات، البائعات واجبٌ دينياً وتربوياً وإنسانياً،
هذا يشمل طبعاً: النساء مع النساء، والرجال مع النساء، والنساء مع الرجال،
فإن حدث ووجدنا منهم الخطأ والتعدي نعالج الموقف بحكمة ونُثبت بأننا ذو تربية ومبادئ وأخلاق،
المسلم لا يضرب النساء ولا الأطفال، خاصة في الطرقات والأماكن العامة ولا حتى في غير ذلك من الأماكن لا يصح شتمهن ولا ضربهن ولا التعدي عليهن مهما كان إلا في الضرورة القصوى. قال ﷺ:
«أكمَلُ المُؤمنينَ إيمانًا أحسَنُهم خُلُقًا، وخيارُكُم خيارُكُم لنِسائِهم» رواه أبو داود.

والعرب لا تضرب النساء ولا يردون الإساءة بالإساءة، بل وكأن شيئاً لم يكن.

الإخوة والأقارب لهم معاملة خاصة،
لهم علينا حقوق أقوى وأكبر من غيرهم في الكلام والمعاملة والمعاشرة وحتى عند الخلاف،
فهم أولى وأجدر من الغرباء مهما كان، فالأولى أولى أن يُتبع،
وتشبيه الغريب بالقريب كلام مرفوض ولا اعتبار له،
لأن صلة الأرحام ترضي الرحمن وقطيعة الأرحام تغضب الرحمن،
لا نضع الحجج بأن القريب فيه وفيه وعقله وفكره كذا وكذا.. لأن الناس كافة إلا الأنبياء لا تخلو من عيوب ونواقص،
مهما كان لا ننسى أن بذل الخير والود والوقت للقريب يبقى أولى وأنفع لنا وله من الغريب ولا وجه للتشبيه والمقارنة،

{وَأُولُو الْأَرحَامِ بَعضُهُمْ أَوْلَى بِبَعضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنفال:75].

أزواجنا وأبنائنا لنجالسهم، ونسمعهم، ونحترمهم، ونستوعبهم دون استهتار وفظافة وقسوة،
لنكن معهم على هذا الزمان لا عليهم،
ومهما وجدنا من خلاف في الفكر أو العقل فلا نزيد الشقاق شقاقاً ولا الاعوجاج اعوجاجاً،
ولا يعقل أن نصحح اعوجاجاً بالشدة والعصبية والاستهزاء بل بالرفق والنصح،

{وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء:110].

لا نيأس ونقول: مللنا تعبنا.. لا أمل هناك!،
بل هم أمانة استودعها الله عز وجل عندنا،
كما علينا الحذر من الدخلاء شرار الخلق الذين يستغلون النقص والضعف والتباعد الأسري بين أفراده،

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم:6].

الجار والزميل والمدير أناس نراهم مراراً على الدوام،
هذه الأماكن علينا تقديرها أشد التقدير مع بذل المستطاع والحرص على تفادي أدنى الاصطدامات،
لأننا سنعكر صفو أيامنا القادمة في مواجهتهم، وسيسعى كلا الفريقين في إقصاء الآخر وضره وإثبات الأقوى ..
لأنهم في مواجهة ولقاء يومي متجدد،
جمهوره الجيران أو الزملاء وجميعهم إلا من رحم الله للأسف لا يكترثون البتة بل يترقبون المنتصر بدلاً من الإصلاح، والشيطان يزين الأعمال،
من هنا نعلم أن علينا التعامل بحذر مع الجار والزميل والمدير بالصبر ثم الصبر مع انتقاء الكلمات بعناية وكبح الغضب والتجاهل ودون إفساح المجال لهم بالدخول في الخصوصيات أيضاً،..
بذلك سوف نحظى باحترامهم وتقديرهم كما أن أيامنا ستمر وتمضي بسلامة ورضى بعون الله.

«تعوَّذوا باللهِ مِن جارِ السُّوءِ في دارِ المقامِ..» – رواه الإمام البزار.

الموظف أو العامل أو العسكري أو الشرطي أو الممرض ليسوا من حديد بل من طين يحملون مشاعراً وهموماً وغموماً وأزمات..

فهم أولى الناس بالتقدير والاحترام،
لا نقول: هذه وظيفته، هذه مشكلته،
إنه يتقاضى راتباً وهذا (بالمكفى)..!!

طبعاً هذه الأقوال لا تصدر إلا من الجهال، فالناس من لحم ودم، هناك أناس تتعب من الداخل وتتأزم لطبيعة عملها،
ومنهم من لا يحظى بعيشة هنية مستقرة بسبب أحوال وظيفته وظروفه المادية والاجتماعية السيئة،
هناك أناس أصيبوا بالأمراض والأدواء بسبب عملهم ورئيسهم. وكما أن صحتهم في انتكاس، وحياتهم في تأزم،
لذا علينا بالرفق معهم وحذار من زيادة الضغط عليهم وكسرهم وتدميرهم نفسياً وجسدياً ومالياً ليعود سلباً عليهم وعلينا وعلى الآخرين بشكل أو بآخر.
قال الشاعر:
لكلِ شيءٍ زينةٌ في الورَى *** وزينةُ المرءِ تمامُ الأدب
قد يَشرفُ المرءُ بآدابهِ *** وإن كان فقيراً مجهول النسب

 الذي أراه ينطقني.

مواضيع ذات صلة
الإنسان الاجتماعي
الإنسان الاجتماعي

قيل: (إن للإجتماع روحاً لطيفاً فاعلة في النفوس كل جميل).. والإنسان يحب الاستئناس بالناس، يحب الحوار والأصحاب والجماعات والاجتماعات، ويحب اقرأ المزيد

محبة
محبة

للوطن محبة، ومحبة الحي، محبة الجيران والأهل، هي الطفولة هي الماضي والتاريخ والذكريات والأصحاب محبة لا تقارن لا تضمحل مع اقرأ المزيد

الحب
الحب

الحب ليس تجربة وليس شهوة وليس سباقاً أو تحدياً أو تفاخراً أو عذاباً… الحب يا كرام هو محبة ذات وجوهر اقرأ المزيد

الاختلاط
الاختلاط

الاختلاط قد يرغبه الكثير ويستحسنه، لأن النظر إلى النساء والتعامل معهن ليس بالشيء السيء للنفس الأمارة بالسوء، وكذلك العكس من اقرأ المزيد