البطالة

روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب:

(إن الله خلق الأيدي لتعمل فإذا لم تجد في الطاعة عملاً! التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك في المعصية).

البطالة أنواع وكلها سيءٌ وسلبيٌ،
منها باختيارنا ومنها مفروض علينا،
منا من يحارب البطالة بالعلم ومجالس العلم ومسالكه، ومنهم من يشغل نفسه بما تيسر عوضاً عن الجلوس والحاجة،

أهل الشام كانوا وما زالوا يدفعون بأبنائهم للعمل في السوق عند معارفهم ولو بالمجان،
ليشتدَ عودهم وينتفعو لمستقبلهم ثم يكسبون الخبرة،
وجودهم دون عمل سيولد بيئة كسولة عاطلة متواكلة لينة تقودهم دون أن يشعروا إلى:

الإجرام، والمعاصي، والسرقة، والغش، والاحتيال، والتواكل،
فالبطالة بوابة كل شر،
وأغلب الفواحش والكبائر والمنكرات والفشل سببها البطالة والفراغ التي تتيح للنفس الأمارة بالسوء البدء في المنكرات وتتبع خطوات الشيطان،
ولا ريب بأن من ولج في بحر البطالة سيبتل أو يغرق. 

هل نجلس في المنزل نتحسر أم نختار نزول السوق لنتعلم ونتدرب؟
فالتطوع مثلاً للعمل عند الناس مجاناً في حال انعدام الفرص سيولد فرصاً عديدة، لأننا دخلنا حقل العمل بإخلاص وتوكل، كما أن الناس ستقدر ذلك وتفتح بابها لنا ولو بعد حين لتنهمر العروض شيئاً بعد شيء بعون الله، لأنهم التمسوا الجديّة والهمة والإقدام منا بعكس البطالة والجلوس والسهرات التي ستولد الشر والكسل وضعف الهمة واليأس ولن نرغب حينها بالعمل أو البحث أو السعي لأن الكآبة تكون قد سيطرت علينا.

فلنتغير ونبدأ بهمة الآن وإن فات ما فات.
عندما هاجر المهاجرون من مكة المكرمة إلى المدينة تركوا خلفهم ديارهم وأموالهم وأعمالهم،
فجاء الأنصار يواسونهم بكل ما استطاعوا رضي الله عنهم، فاختار الكثير من المهاجرين النزول إلى السوق ومخالطة الناس والتجار لأنها موطن المال والأعمال.

جاء في صحيح البخاري ومسلم:
(لما قدِم عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ المدينةَ آخَى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَه وبينَ سعدِ بنِ الربيعِ، فقال له:
هلُمَّ أقاسِمُك مالي نصفينِ،
ولي امرأتانِ فأطلِّقُ إحداهما، فإذا انقضت عدتُها فتزوَّجها، فقال:
بارك اللهُ لك في أهلِك ومالِك،
دلُّوني على السوقِ، فدلُّوه على السوقِ،
فما رجع يومئذٍ إلا ومعه شيءٌ من أقِطٍّ وسمن)ٍ.

دواء البطالة والفشل:
مخترع المصباح (توماس أديسون) مر بسلسلة طويلة من الفشل بلغت 1000 محاولة قبل اختراع المصباح الكهربائي، أكثر الاختراعات والنجاحات لم تكن سوى سلسلة طويلة مرهقة عصيبة من الفشل،
يذكر أن صاحب موقع (علي بابا) واجه فشل ومصاعب واستهجان إلى أن شاع ليصبح في القمة،
كذلك شركة (أبل) بدأت في الكراج حين بدأت،
وكذلك شركة الهواتف العالمية (بلاك بيري) كانت في الحضيض يأكلها الفشل والديون إلى أن علا نجمها وسطعت بعد محاولات ومحاولات،
النجاح يكمن في المحاولة مراراً وتكراراً من دون كلل أو ملل أو تأفف أو تواكل،
صيد السمك يحتاج النزول إلى البحر،
كذلك علينا الظهور ورؤية الناس بالنزول إلى السوق والشركات يومياً أو أسبوعياً، نجلس هناك نخالط التجار والباعة والناس حتى ولو بالسلام،
أو بالمساعدة أو العمل بالمجان،
نكسب الخبرات وننمي العلاقات إلى حين الفرج بإذن الله، نترك أخباراً على الدوام بأننا على استعداد للعمل،
نواظب بإرسال السيرة الذاتية باللغتين العربية والإنكليزية بشكل محترف ولبق وعليها صورتنا،
نقدم على طلب الوظائف في المواقع دون تقصير أو تفريط تجنباً للندامة بأننا لم نأخذ بالأسباب، قال تعالى:

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرضَ ذَلُولًا فَامشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزقِهِ وَإِلَيْهِ} [الملك:15].

كما نترك القيل والقال من سلبيات وأخبار ضررها أكثر من نفعها، لأن القنوات الإخبارية لا تأتي بخير عن الأسواق والاقتصاد إلا نادراً،
علينا أن نتفاءل ونحسن الظن بالله وبأنفسنا،
نصلي ندعو نتوكل عليه، نرضي الوالدين،
نقرأ كتاب الله الكريم، ففيه النجاة والانشراح والبركة.

أشياء نجهلها ولا نلقي لها بالاً ولكنها ذنوبٌ تقطع الرزق بأنواعه وتأكل بركته:
فالأغاني، الموسيقى، الطرب، كلها من مزامير الشيطان طاردة لملائكة الرحمن كما أنها آثام وذنوب،
أيضاً العلاقات المحرمة كصداقة وتواصل ولقاء بحجة الزواج، ولكن الزواج له أصول ومبادئ،
أيضاً عدم غض الأبصار عن النساء على التلفاز، والجوال، والمسلسلات والأفلام وحتى الدعايات والأخبار أو في الطرقات كالجيران والزملاء،
والأمر نفسه للنساء بغض أبصارهن عن الرجال،
كذلك التقاعس عن الصلاة في أوقاتها والأذكار الصباحية والمسائية ودبر كل صلاة، عقوق الوالدين، قطيعة الأرحام، النميمة، الغيبة، الزنا، الشتم والسباب،
إظهار النساء زينتهن كالمكياج والتعطر ولبس الضيق ولبس الألبسة الملونة الملفتة للنظر وعدم لبس الحجاب،
كذلك هجر القرآن، الظلم وإعانة الظالم، عداء المسلمين…

أشياء لا بد لنا من العمل على تجنبها.

قال رسول الله ﷺ:
«إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحرَمُ الرِّزقَ بِالذَّنبِ يُصيبُهُ، وَلاَ يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلاَّ الدُّعَاءُ، وَلاَ يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلاَّ الْبِرُّ» – رواه ابن ماجه والحاكم وأحمد.

الرزق سيأتي بعون الله ثم بجهودك وبإخلاصك وتعبك، ولَكِنَّكُم تَستَعجِلُونَ.
بعضنا على عجالة وجهالة يطمح لأفضل الرواتب والنجاحات والمناصب ولو على حساب الدين، الكرامة، الأخلاق، والمبادئ،
أو الطموح لديه يفوق الخيال وصعب المنال والفرص شحيحة، لأجل ذلك يرفض الدخل القليل ليبقى عاطلاً !
أو يقبل على مضضٍ ويعمل متأففاً ماقتاً لنفسه وعمله،
عكس الراضي الشاكر لله كلما زاد حمده وشكره زاد دخله ولمع نجمه، وهؤلاء الصامدون يبدؤون بالقليل ثم يرتقون ارتقاءً حسناً،
كذلك بنيت الجبال العالية الشاهقة كما قالت العرب:

(إن الجبال من الحصى).

ولنعلم هذا أفضل بكثير من اعتلاء المنصب العالي لفترة من الزمن ثم يتلاشى وقلما نجد مثله لنجد أنفسنا في حالة لا يرثى لها،
لا يقال لا نحلم أو نتأمل! بل نسعى لذلك بكل قوة وحكمة وواقعية رويداً إلى الأعالي.

لنخالف دراستنا ومجالنا واختصاصنا إن دامت البطالة كثيراً، لأننا نخسر بذلك وقتنا، والوقت غال لا يعوض وذو تكلفة مادية أيضاً، وكما قيل:
(الوقت من الذهب إن لم تدركه ذهب).

عجلة الحياة أصبحت سريعة تسبقنا يومياً وتحمل معها المصاريف والأعباء التي لا تتوقف ولا تذهب،
فمالنا إلا أن نستغل الفرص قبل أن تغيب شمسها،
من هنا نعي ونعلم لماذا يرتقي التجار والعباد ويتوفقون ويتفوقون على غيرهم من الناس،
كونهم لا يدعون الفرص والأوقات تفوت أو تضيع عبثاً دون فائدة واستثمار.
سنجد أنفسنا مع الزمان تحت قيادة أناس كانت مجتهدة مثابرة صامدة، وقد كنا في البطالة من دون إنتاج وتنمية،
مما جعلنا دون الناس،
كنا في ملل وضياع وهم وغم ويأس وسهر ونوم وتشتت، وهذا لا يحتم علينا إلا مزاحمة الظروف والنفوس وانتهال العلم وانتهاز الفرص واستثمار الوقت بأخذ ما تيسر وأمكن من هذه السبل المهمة للغاية لنا ولأمتنا ومستقبلنا وأبنائنا،
مثل: علوم الحاسوب وبرامجه، وإتقان بعض اللغات الرئيسية، وتحسين اللغة العربية جيداً،

وقراءة الكتب الإسلامية والعالمية، ومتابعة أخبار التكنولوجيا، ومتابعة السياسة، ودراسة التاريخ والشعوب، وتعلم أخلاقيات العمل، والإحاطة العلمية الشرعية بالمعاملات والتجارة والعقود والوظائف المحرمة والمحللة، التدرب على مزاولة بعض المهن الجديدة، الرياضة.

العمل في المحرمات لتفادي البطالة والعطالة سيولد نتائج وخيمة:
أمراض نفسية، وبدنية، واجتماعية، ومستقبلية، وعواقب دنيوية نحن بغنى عنها،
وهذه ليست من نسج الخيال بل حقيقة ومجربات لا تعرف عاصياً إلا أصابته وعاقبته،
فالله لا يرضى إلا العمل الطيب والكسب الأبيض،
لا نقول بأن الظروف أجبرتنا بل الحقيقة إنها النفس الأمارة بالسوء.
قال تعالى:
{وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعمَالَهُمْ فَصَدَّهُم عَنِ السَّبِيلِ فَهُم لَا يَهْتَدُونَ} [النمل: 24].

المسلم لا يهِن ولا يضعف ولا يضع نفسه على شفا حفرة لتنهار به ويهلك، فمن ترك شيئاً لله عوضه خيراَ منه، العوض سيأتي جزيلاً مباركاً فلا نستعجل.

وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتى *** ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ
ضاقَت فَلَما اِستَحكَمَت حلَقاتُها *** فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ.

نتأثر بكلام الناس!
قد يكون هذا سبباً في البطالة أو استمرارها،
ظناً أن مكانتنا وسمعتنا أرقى أن نعمل في أعمال ليست من مستوانا فنفضل العطالة،
وبهذا نكون قد دخلنا في دوامة طويلة لا مناص منها ولا رجاء فيها، نهايتها الخسارة المادية والزمنية ثم الندم،
فلا نلتفت للقيل والقال،
لأن العيب كل العيب في البطالة لا بالعمل!
علينا قبول الموجود من العمل والفرص والتماشي معها لفترة من الزمن إلى أن يشاء الله، ولعله خيرٌ لنا ولا ندري، أيضاً هناك من ينسجم ويقبل العطالة والبطالة ويرضى شفقة الأقارب والأصدقاء، ثم نجده واضعاً الحجج، ليصد الملام والعتاب من موقفه المخجل للأسف.

قال ﷺ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى» – رواه الإمام البخاري

الرزق يحتاج سعياً وكدحاً وسهراً، وفقنا الله وإياكم.

أيهما تختار، نقل الصخر أم ذل السؤال؟
إن حالفنا الحظ ذات مرة وكنا قد شغلنا منصباً ذا مكانة خاصة،
ثم قدر الله واستقلنا أو أخرجنا من هذا العمل، لنصبح من دون وظيفة، ثم استمرت البطالة مدة،
وجاءت فرصة وظيفية عادية بسيطة أقبلت باستحياء،
قليلة الدخل شحيحة المغنم،
ولكننا فضلنا القعود والعطالة إلى أن تعود شمسنا المشرقة العالية من جديد كما عهدنا أنفسنا في سالف الذكر..
نكون بهذه العقلية ظلمنا أنفسنا وتواكلنا على الحظ ولم نأخذ بالأسباب،
خصيصاً إن كنا نعيش في ضائقة مالية وديون ثقيلة والإلتزامات تلاحقنا،
وهذا ما لفت إليه الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه في شعره:

لنقلُ الصخرِ من قُللِ الجبال ***أحبُ إليَ من مِننِ الرجال

يقولُ الناسُ لي: في الكسبِ عارٌ ***فقلتُ: العار في ذُلِ السؤال.

العمل مهما كان مستواه ومجاله سيولد أعمالاً وفرصاً أخرى مثمرة إن شاء الله،
كما أن العلم سيولد علوما وأفكاراً وابتكارات، كذلك البطالة ستولد عطالة وجموداً وتراجعاً.

وفي حال كنا نواجه حظاً سيئاً والفرص لا تكاد تأتي،

وقد بذلنا جهدنا وأخذنا بالأسباب وسعينا وما زلنا نسعى ولا بديل عن البطالة التي ضاقت النفس بها وأظلمت الدنيا علينا،
ونريد الشروق والنهوض، فلنسعَ للخير ولو بأبسط المقومات والإمكانات،
ليعود ذلك علينا من الله بالخيرات والطيبات،
نستهدف الأهل والأقارب والجيران والحي والضعفاء والمعاقين،
كذلك الأمر بالمعروف والإحسان والكلمة الطيبة.

ومصداق ذلك قول الصادق المصدوق ﷺ:
«ابغوني الضُّعفاءَ، فإنَّما تُرزقونَ وتُنصرونَ بضعفائِكُم» – صحيح أبي داود.

الذي أراه ينطقني.

فتاوى ذات صلة
الإنسان الاجتماعي
الإنسان الاجتماعي

قيل: (إن للإجتماع روحاً لطيفاً فاعلة في النفوس كل جميل).. والإنسان يحب الاستئناس بالناس، يحب الحوار والأصحاب والجماعات والاجتماعات، ويحب اقرأ المزيد

محبة
محبة

للوطن محبة، ومحبة الحي، محبة الجيران والأهل، هي الطفولة هي الماضي والتاريخ والذكريات والأصحاب محبة لا تقارن لا تضمحل مع اقرأ المزيد

الحب
الحب

الحب ليس تجربة وليس شهوة وليس سباقاً أو تحدياً أو تفاخراً أو عذاباً… الحب يا كرام هو محبة ذات وجوهر اقرأ المزيد

الاختلاط
الاختلاط

الاختلاط قد يرغبه الكثير ويستحسنه، لأن النظر إلى النساء والتعامل معهن ليس بالشيء السيء للنفس الأمارة بالسوء، وكذلك العكس من اقرأ المزيد