افتخر أبو فراس الحمداني (الحلبي الشامي) بشيمه وخصاله في جيرانه:
أنا الجارُ لا زَادي بَطيءٌ عَليهمُ *** ولا دُونَ مالي لِلحوَادثِ بَابُ
ولا أطلُبُ العَورَاءَ مِنهُم أصيبُهَا *** ولا عَورَتي للطَّالِبِينَ تُصَابُ
وأسطُو وحبِّي ثابِتٌ في صُدورهِمْ *** وأحلُمُ عَن جُهَّالِهِمْ وأُهَابُ.
الجيرة سلسلة تساكن وتعين بعضها وتربط المجتمع وتحفظ الحي وتبث فيه الأمن والود والتعاون،
فلولاها لتغشتنا اللصوص والجن والسباع من كل حدب وصوب، فمالنا إلا التعايش والتسليم والانخراط فيها بما يرضي الله ويوافق الأعراف والأخلاق، ونحفظها لتحفظنا، وهذه من وصاية الإسلام الحنيف،
وبهذا قال النبي ﷺ: «..وخيرُ الجيرانِ عندَ اللهِ خيرُكم لجارِه» _ صحيح الترمذي.
الجيرة الكريمة الطيبة مغنم ومطلب، نتمناها ولا تأتينا إلا بتوفيق الله الكريم،
وكم من مالك لدار لا ينعم بداره بسبب جيرانه ولا يأمن في ترك أهله في داره لأجل شرهم وكيدهم
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،
ومن وجد من جيرته ذلك فقد ابتلي ابتلاءً صعباً ونعوذ بالله العظيم من جار السوء ودار السوء،
قال النبي ﷺ:
«اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ من جارِ السُّوءِ في دارِ المُقامة..» – حديث صحيح رواه الطبراني والحاكم.
هذا يحثنا قبل الشروع في الانتقال إلى الدار أن نسأل عن الجيرة وأهلها، لأننا وأبنائنا سنقضي أغلب العمر فيها فلنحسن الاختيار، كما نستخير ربنا ونسعى بعد الانتقال إلى كف الأذى وضبط الأصوات والتصرفات ومراعاة النظافة ومراعاة الزوار (واستهتاراتهم) حفاظاً على حرمة وراحة الجيران.
تتبع عثرات الجيران وأسرارهم، يفتح أبواباً من الشقاق والخلاف وغضب الله تعالى، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمسلم الحق من حمى أعراض جيرانه وشرفهم وسمعتهم، لأن أعراضهم وأملاكهم ليست مكسباً ولا مغنماً، وإن وجدناهم غير منضبطين أخلاقياً ولا أدبياً فهذا لا يبيح لنا التعدي ولا المساس أو العبث معهم،
وقد قال الشاعر المخضرم الحطيئة:
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ
كما أنه من فعل عكس ذلك أثبت شر طبعه وسوء منبته، قال ﷺ:
«واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ قالوا وما ذاكَ يا رسولَ اللهِ؟
قال: جارٌ لا يأمنُ جارُهُ بوائقَهُ، قالوا يا رسولَ اللهِ وما بوائقُهُ؟ قال: شرهُ»
– حديث صحيح، مجمع الزوائد.
عداوات الجيران مهما كانت ستزول عندما نلقي عليهم السلام… (السلام عليكم) نلقيها لأجل الله عز وجل،
فمن رد علينا السلام فقد أصاب السنة وأحسن التصرف، ومن لم يرد السلام لعله لم يسمع لأنه مشغول البال أو ضعيف السمع، ولعله بعد حين من تكرارنا للسلام يعود لرشده ويرد السلام بسلام فيعود السلام بيننا،
وقد جربت هذا بنفسي عندما اختلفت مع جار لي،
ثم بعد أشهر توفيت والدته فأسرعت بالتعزية،
ولكن لم تصفى القلوب بعد، فقررت بعد حين البدء بالسلام لأجل الله لا غير وهذا أقل المعروف،
وقد خفف هذا من حدة التوتر لله الفضل، قال ﷺ:
«لا تدخلوا الجنةِ حتى تؤمِنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، ألا أدلُّكم على ما تحابُّون به؟
قالوا: بلى، يا رسولَ اللهِ، قال: أَفشوا السلامَ بينَكم»
– حديث صحيح.
الخلافات مع الجيران من الأمور الواردة في كل مكان وزمان، علينا أخذ الأمور بالتروي ولا نجعل الخلافات حرباً وصراعاً لأن كلا الطرفين سيخسر،
خاصة إن كانت لأجل مواقف السيارات أو أخطاء غير مقصودة أو سببها الأطفال وخلافاتهم أو ما شابه،
فجيمعها ليست من الأمور العظام وليست نهاية الدنيا،
كما أن الحي ليس ملكية فردية خاصة نديره كيفما نشاء وعلى من نشاء …
عدا ذلك الدولة لن تفرغ نفسها للأحياء وخلافات الجيران،
وكل ذلك ليس حجة للانفلات والانحطاط ومخالفة الآداب التي تعكس تعاليم الإسلام الكريمة،
كما أن نهج أسلوب الترهيب والتخريب باب لا يُنصح به أبداً،
فكيف بعاقل يقحم نفسه في المشاكل والصراعات عند مسكنه ومأواه مع جيرانه! أهل الحي أولى المواطن بالسلم لا العنف،
ولن يزول العنف بالعنف إلا بالحسنى وطيب الكلمة، لأن فتح الجبهات ضدهم سيجلب الضيق ويزيد الهموم والغموم فالله لا يحب المعتدين،
قال ﷺ:
«ما زال جِبريلُ يوصيني بالجارِ حتَّى ظننْتُ أنَّه سيورِّثُهُ» – تخريج مشكل الأثار لشعيب الأرناؤوط الدمشقي.
سمعتنا الطيبة بين الجيران في الحي وغيره شهادة لا تعلوها شهادة،
كما أن أبناءنا سينالون من ذلك نصيباً، السمعة الحسنة نعمة يضعها الله للعبد في نفوس الناس، ويُجرِيها على ألسنة الخَلْق،
والذِّكْرُ الطيبُ معيارٌ من معايير القيَم والأخلاق، يرجِع إليه الناسُ،
وتوزن به أقدار الرجال.
– السُمعة الطيبة خيرٌ من الذهب A good name is better than gold
عندما تهجرّ العراقيون وقد بلغوا المليونين في سوريا وعاشوا بين أهلها ودخلوا مدارسها وطعموا منها، وقد جاوروا أهل سوريا في الحي والعمل والدراسة، ولم ير العراقيون إلا كل الخير، كان أهل الشام يقدّمون لهم كل ما يرضي الله،
وشعارهم لا نريد جزاءً ولا شكوراً، فقد تم ضمهم والسعي على حوائجهم وتقديم لهم المستطاع،
لا ننكر وجود بعض السقطات والمساوئ والسلبيات والمخالفات والمشاكل من بعض الأشخاص، ولكنها لا تذكر،
ولم تقابل بالعداء الوحشي، حتى إن أقربائي وأصدقائي لا أذكر إلا مقتطفات سريعة حين تكلموا عنهم مثل:
أصبح العراقية كثر، العراقية يشترون..
فلا أحقاد تثار أو نعرات تطرح، ولا أذكر إلا إن المجتمع الشامي استقبلهم خير استقبال وحفهم بالخير والوداد كأننا جسد واحد وبنيان واحد.
أذكر عندما انتقلت الى دار جديدة بأيام وجدت طارقاً على الباب يقدم لنا الضيافة من حلويات وشاي وقهوة بمناسبة الجيرة الجديدة، وما زالت العائلة السودانية الكريمة تقدم لنا كل حين الطعام والشراب والحلويات ونحن نبادرهم أيضاً المثل وزيادة بفضل الله، وقد كنت سابقاً مستشيراً مستخيراً على السكنة ولله الحمد،
كما أننا ننوه بأن من استشار واستخار ثم وجد عكس المرجو فلا تأخذه الشكوك والظنون بالله،
لأن هذا القضاء والقدر، عدا أن النفوس قد لا تتوافق مع البعض، كما قال الشافعي:
فَما كُلُّ مَن تَهوَاهُ يَهوَاكَ قلبهُ ولا كلُّ مَنْ صَافَيتَه لَكَ قَد صَفَا
أذكر في صغري عندما كنت في مدارس دمشق كان هناك جنسيات أخرى درست في مدارسنا وفي صفوفنا غير الشاميين، وقد كان الشاميون قلة قليلة في بعض الأحياء،
والجنسيات حولنا كانت: اليمنية، الصومالية، الأردنية، الشيشانية، الشركسية، الأرمنية، التركمانية، الكردية، العراقية، الفلسطينية..
ثم لجأ إليها بعد سنوات اللبنانيون
ولا أذكر حوادث عنصرية حدثت ضدهم من أهل البلد،
أو قوانين مجحفة أو ظالمة طالتهم، لا أذكر إلا أن ابن البلد يحمي ويدافع عن الغريب ويقف معه في حال تطاول عليه أحدهم:
لا تقطعن يد الإحسان عن أحدٍ ما دمتَ تقدرُ فالأيامُ تاراتُ
حدث أن رجلاً أخرج متاعه وأشياءه من منزله
إلى الطريق أمام المارة هرباً من جاره الضار لكي يراه الناس ويعلمون أمر جاره، رجاء أن يكف ويعتبر،
«جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ يشكو جارَه،
فقال النبي ﷺ: اذهب فاصبر،
فأتاه مرتين أو ثلاثًا..
فقال رسول الله ﷺ: اذهب فاطرح متاعَك في الطريق،
فطرح متاعَه في الطريق، فجعل الناسُ يسألونه فيخبرهم خبره، فجعل الناسُ يلعنونَه: فعل اللهُ به، وفعل، وفعل،
فجاء إليه جارُه فقال له: ارجع لا ترى مني شيئًا تكرهه»
– رواه ابن حبان وأبو يعلى.
الذي أراه ينطقني
