الحب ليس تجربة وليس شهوة وليس سباقاً أو تحدياً أو تفاخراً أو عذاباً…
الحب يا كرام هو محبة ذات وجوهر الشخص:
كلامه، حركاته، أسلوبه، أمانته، عقليته، ظرافته، فقره، غناه، مرضه، تعبه، عبادته، تقاه، صدقه، إخلاصه، أخلاقه الطيبة، نحبه عند الجدِّ والمزاح عند الرضى والاختلاف…
هكذا أحبت سيدتنا خديجة رضي الله عنها النبي ﷺ في كل حال ومقال، في العسر واليسر، في الحرب والسلم، في أضعف حالاته المادية والإجتماعية.
وبعد موت خديجة رضي الله عنها، وعند زواج النبي ﷺ من غيرها بقيت معزتها في قلبه لأخر العمر، فكانت أحب النساء إليه رضي الله عنها وعن جميع زوجاته ﷺ، فكان ﷺ شديد الوفاء لخديجة بعد موتها،
حتى أنه كان يذبح الشاة فيوزعها في صديقات خديجة رضي الله عنها.
وعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت:
«جاءت عجوز إلى النبي ﷺ وهو عندي، فأقبل عليها إقبالاً حسناً، يسألها عن حالها وأخبارها، فلما خرجت، قلت: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال! فقال:
إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان» – رواه الإمام البخاري.
الحب أنواع، طيبة وفاسدة..
المحبة الفاسدة كمحبة المال والدنيا حباً جما، فلا نرى غيرهما فنصبح من غير أن نشعر عُباد الدرهم والدينار والعمل والدولار واللباس.
قال رسول الله ﷺ:
«تَعِسَ عَبدُ الدينار، تَعِسَ عَبدُ الدرهم..» _ رواه الإمام البخاري.
ومن المحبة الفاسدة:
العشق الممنوع، الذي يجعلنا كالعبيد من دون الله ويغمسنا في الحرام والذنوب، فنضعف ونتعب ونخور ونذبل ثم نندم..
والمحبة الطيبة، هي محبة الله عز وجل ومحبة الرسول الكريم ﷺ التي تحثنا على اتباع نهجه وسنته وطريقته وعبادته في كل شيء، وقد قيل عن محبة الله سبحانه..
إذا صح منك الود فالكل هينٌ *** وكل الذي فوق التُرابِ تُرابُ
فَلَيْتَكَ تَحلُو، وَالحيَاة مَرِيرَة *** وَلَيتَكَ تَرضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيتَ الّذي بَيني وَبَينَكَ عَامِرٌ *** وبيني وبينَ العالمينَ خرابُ. – أبو فراس الحمداني الحلبي
قيل:
مساكين أهل الحب حتى قبورهم عليها تراب الذل بين المقابر.
وقيل:
لا قاتل الله الهوى كيف قادني *** كما قيد مغلول اليدين أسير.
فالحب يا كرام يذل صاحبه، ويكسر الرجل الشديد،
ويدمر النفوس ويتعب العقول… ويضيق الحياة حتى تضيق، ويذهب طعم الحياة، ويشوش أهدافنا، وأكثرهم تعرضاً للإصابة أصحاب القلوب الرقيقة البريئة،
فالحذر من تسليم قلوبنا إلى من لا يستحقها،
والحذر من وضعها في غير محلها.
تعديات، تعدي الحب إلى خارج حدود “الشرع والفطرة” يعتبر مرضاً نفسياً عقلياً سببه ظلمة القلب وفساد الرأي وذهاب الإيمان وتسلط الشهوة الشيطانية على العقل والنفس والفكر، تجعل صاحبها في ظلمات بعضها فوق بعض،
ومهما بررنا وسعينا لتجميل المنكر يبقى خارجاً عن دائرة الحب الصحيح السليم حتى وإن وافقه الفاسدون أو دعمه أو شرعه المجرمون، وعواقبه مخزية، مخجلة غير مشرفة، تلحق بصاحبها العار في الدنيا والأخرة،
فمن أصيب بهذه المصيبة، عليه المبادرة فوراً إلى:
قطع العلاقة + تغير رقم الهاتف + التوبة إلى الله بصدق وجدية + تغير المدينة إن أمكن + الدعاء + تغير الصحبة + الإنشغال بالرياضة، الدراسة، العمل، ألعاب + عدم افشاء السر لأحد مهما كان وحتى ولو فتوى إلا بالخفاء.
الحب ليس بسماع أغنية أو موسيقا أو بحضور حفلة أو بمشاهدة فلم سينمائي.
الحب ليس هديةً ولا حفلة زفاف أو توصية من فلان أو فلانة،
الحب لا يشتريه شارٍ ولا يبيعه بائع…
لا ثمن له ولا تحتويه كنوز الأرض،
الحب لا يضيع بموقف ما ولا بخلاف أو نقاش أو خصومة أو بعد أو غربة… بل كلما غاب اشتاق وكلما ضعف قوي…
كلنا نبحث عن المحبوب بصدق وإخلاص،
نحبّ أن نُحب ونحب، نتبادل المحبة لنعيش وتستمر الحياة،
الحب يولد طاقة تولد الأمل والعمل والنجاح والكفاح،
إيانا أن نصدق الذين لا يؤمنون بالحب…
فالحب يغذي الحياة والفكر ويجلي عن الفؤاد التعب،
ولكن الحب خلف ستار الشرع، خرابٌ وعذابٌ.
وقد قيل: (لا مرحباً بحرامٍ عاد بالضررِ).
قال سبحانه وتعالى: {لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} [البقرة:235]
فمن ذاق حلاوة الحب المؤيد من السماء بالبركات والرحمات لن يرضى غيره،
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((إنَّك لن تدَعَ شيئًا اتِّقاءَ اللَّهِ عز وجلَّ إلَّا أعطاك اللَّهُ خيرًا منهُ)) _ رواه ابن مفلح اسناده جيد.
{إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:89]
القلوب السليمة تميز بين الحب السليم والسقيم، الضار والنافع، وتمتاز بأنها لا تختار إلا أنقى وأرقى القلوب مثلها…
قلوب تغذي بعضها بعضاً…تجد بعضها بعضاً، كما قيل:
(كلُ ولفٍ على وِلفه يلفِ) وهكذا الصالحون،
يحبون بعضهم البعض، قلوبهم لا ترتوي إلا بحب الله ورسوله،
{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة:54].
وخير قلوب أهل الأرض النبي المختار محمد المصطفى العدنان عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وباقي الأنبياء والأصحاب ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فقد أحبهم الناس لصفاء قلوبهم، وكريم معشرهم، ونبل أخلاقهم.
القلوب السليمة لا ترى إلا ما يرضي علام الغيوب، تحب ما يحبه الرحمن وتبغض ما يبغضه، وتعادي وساوس الشيطان،
وإن ضعفت قلوبها يوماً توجهت بكل أركانها إلى طريق الرحمن، راغبة راهبة، طائعة خاشعة، صادقة مخلصة، والطرق عديدة وكلها كريمة، فالقلوب تحتاج لتروية كما تحتاج الأبدان للغذاء،
منها بالسجود والخضوع للرحمن، ومنها بفعل الخيرات، ومنها بالذكر والصدقات، ومنها بتلاوة كلامه سبحانه وتعالى،
{اللهُ نَزَّلَ أَحسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّه فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر:23]
– الذي أراه ينطقني.
