الضيف والضيافة

اللهُ يَعلَمُ أَنَّني ما سرني *** شيءٌ كَطارِقَةِ الضيوفِ النُّزَّلِ

ما زِلْتُ بالتَّرحيبِ حتى خِلْتُني *** ضيفًا لَهُ والضيفَ رَبَّ المَنْزِلِ.

الضيوف نعمة وبركة من الله تعالى، 
خاصة إن كان ضيفاً محترماً ملتزماً مؤدباً خفيفاً لطيفاً صالحاً صدوقاً عفيفاً عزيزاً،
وهذا ما ينبغي منا تبنّيه والعمل عليه في كل مكان وزمان كالغيث يستبشرون بقدومه،
فلنكن كذلك قدوة حسنة، ضيوفاً يُسعدون الناس إذا حلّوا.

وأبو الأنبياء إبراهيم ﷺ كان مضيافاً كريماً جواداً.

قال الله تعالى: {قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجلٍ حَنِيذٍ} [هود:69].

جميعنا لا يحب أن يرى ضيفاً ثقيلاً بذيئاً صخّاباً نمّاماً،
وقدومه بهذه الصفات الدنيئة بلاء وهمّ، وفود هذه الفئة من الناس على منازلنا يعكر صفو الحياة ويجعل يومنا كالدهر،
سيؤدي مع مرور الزمن إلى تجنب الناس ضيافة بعضهم البعض،
علماً أن الضيف لا ريب سيسعى جاهداً في التغاضي عن مساوئنا وعيوبنا حفاظاً على العلاقة وعلى كرامة ومكانة الضيف،
فلا يصح أن نكون عبئاً على أهل البيت مهما وجدنا ترحيباً أو حفاوة،
فهذا لا يعكس رضاهم الداخلي علينا ولا على أفعالنا وأقوالنا،
ولا نقول إن المضيف من قرابتنا وأصدقائنا في حين أننا نكلفهم ما لا يطيقون ويكرهون.

وصية مهمة يجهلها الكثير نجدها في هذه الآية الكريمة:

{إطَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} [الأحزاب:53].

البعض يأتي باكراً ينتظر الطعام،
وأهل البيت في شغل وازدحام، وبعد تناول الطعام،
يطيل المكوث، وأهل البيت بين تعب ونعاس.
بعض الضيوف بدلاً من شكر المضيف وتقديره على وقته وضيافته تجدهم في تسخط ونكد وتكبر!!
لا مرحباً بهم، لأن الشرع لا يأمرنا بالتكلف والمشقة والخسران لأجل الضيف، بل ألا نبخل بالموجود ولا نتكلف بالمفقود،
وعلى الضيف الرضى والشكر وتقبل ذلك،
قال الفاروق رضي الله عنه: «نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ» – السلسلة الصحيحة.

لا نستغل، لا يصح للضيف أن يستغل صلة القرابة أو الصداقة ويجعلها ورقة ضغط على المضيف،
من إحراجات مالية وشخصية وزمانية ومكانية، لا يراعي التزامات وماديات وحريات الناس، ليجعل من نفسه عليهم غماً وكابوساً،
ثم للأسف يعود ويكرر ويتذرع بأن الضيف ضيف الله،
وبأن القرابة أو الصداقة إن لم تتحمل سذاجته فليست صادقة وحقيقة!!
طبعاً دون خلاف هذا عين الخطأ لأنها تبريرات مرفوضة في ميزان الشرع والعُرف لا وزن لها البتة،

فالناس تحترم الضيف إن كان محترماً وإن كان غير ذلك فلا مرحباً.

للبيوت حرمات، والضيوف أحياناً القليل منهم، لقلة أدبهم وضياع تربيتهم ودينهم يترصدون عورات أهل البيت يسعون جاهدين لكشف المستور ولرصد العورات والعيوب الصغيرة والكبيرة لغرض البخس والشماتة،
غير أن الطامة الكبرى التي لا يرضاها الله ولا رسوله ولا أهل النخوة والمروءة هي النظر على حرمات أهل البيت دون خجل واستحياء،
ومنهم ومنهن من يصف نساء المضيف للرجال والشباب بكل فجور وسفور ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،
بعضهم ما أن يغادروا منزل المضيف حتى يشرعوا بالغيبة والنميمة والمكر،
على الناس عدم استضافة أيٍّ كان في منازلهم،
والحذر من الذئاب التي تنهش وتستغفل الراعي.

قال ﷺ: «لا تُصاحب إِلَّا مُؤمِنًا، ولا يَأْكُل طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» – حديث حسن أخرجه أبو داود.

نعوذ بالله من ضيف السوء، خاصة الذين تفتقر أخلاقهم لآداب السلام والاستئذان والدخول والمكوث والخروج، نجدهم للدار داخلين أو ماكثين أو خارجين دون
(إحم ولا دستور)، كأنها دارهم وأعز وكأن حرمة المنزل مثلها مثل الشارع والسوق،

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُم حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:27].

والضيف الطائش:
إن سلّم جهل، إن دخل تسرع، وإن تكلم صرخ، وإن ضحك أسمع، وإن جلس سهر وتأخر، وإن غادر أزعج،
لهذا مهما كانت صلة القرابة بيننا وبين صاحب الدار تبقى للدار حرمة عظيمة لا يجوز تعديها أو التهاون بها،
علينا مراعاة أهل الدار ولو كانت لدينا الصلاحية ولو كنا أقاربهم وأحبائهم،
وهذا على القريب كبيراً أو صغيراً أوجب، القرابة المحترمة المراعية لآداب البيوت ومشاعر أهلها هي القرابة الحقيقة الصادقة.

أبناء الضيوف أبنائنا

نهتم بأمرهم وسلامتهم بكل رحب وسعة ومحبة، ولكن لا يعني هذا قبول طيشهم وعبثهم في منزل المضيف!!
لا يعني أيضاً السماح بتكسير المنزل ومقتنياته،
تراهم يصولون ويجولون دون رقيب ولا حسيب،
عدا ضرب الأبناء بعضهم بعضاً وإزعاج أهل البيت والجيران، كما نرى من الآباء والأمهات قلة اكتراث بمشاعر الآخرين وأملاكهم،
لأن أطفالهم فوق الجميع أو لأن هناك ضعفاً ظاهراً في التربية والضبط،
الزائر المسلم يراعي كل صغيرة وكبيرة، ويعوض أهل البيت عما أحدثه أطفاله من خراب وإساءة،
ويضع نصب عينيه راحة أهل البيت قبل سعادة أبنائه وراحتهم، يصون نفسه وأبنائه عن المذمة وبغض الناس،
قال ﷺ:
«ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ» – حديث صحيح.

الضيف الواجب إكرامه ثلاثة أيام، هو الضيف المسافر القادم من بلد آخر، من كان يعيش خارج مدينتنا،
والضيافة ما بعد الثلاثة هي صدقةٌ عليه،
ومن كان داخل المدينة فله الضيافة الطبيعية لا شك
ولكن ليس كحق المسافر، قال ﷺ:
«ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكرِم ضيفَهُ جائِزَتَهُ. قَالَ: وما جائِزَتُهُ يا رَسولَ اللَّهِ؟
قَالَ: يَومٌ ولَيلَةٌ، والضيافَةُ ثَلَاثَةُ أيَّامٍ، فَما كانَ ورَاءَ ذلكَ فَهو صَدَقَةٌ عليه» – حديث صحيح.

نقد الضيف وضيافته،
علام ننتقد طعام المضيف، أو منزله أو أبنائه أو فقره!،
والأولى والأصح تقديره واحترامه وشكره لاستضافتنا،
علينا إظهار جمال أخلاقنا وإسلامنا لكل إنسان فتح داره وأكرمنا وقدم وقته وجهده لنا وأطمعنا ما تيسر ولله الحمد ثم الشكر للمضيف،

«ومَن كانَ يُؤمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُل خَيرًا أو لِيَصمُت» – حديث صحيح.

لا نبخس أحداً مهما كان السبب، نمسك ألسنتنا عنهم ونمحي ذاكرتنا عن العيوب ونحمي أعراضهم ونتجاهل السقطات والزلّات لأننا فضلاء كرماء حلماء،
وهكذا تسعد الناس ونسعد ويرضى الله عنا،
ولا ننسى الدعاء لمن أطعمنا وسقانا عنده.
عن كعب بن مالك رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم طَعِمَ عندَ سعدِ بنِ عُبادةَ، فلما فَرَغَ قال:
«أكَلَ طَعامَكم الأبرارُ، وَصَلَّت عليكم الملائكةُ، وأفطَرَ عِندَكم الصَّائِمونَ». – فتح الغفار – حديث صحيح.

الضيف المتميز الرفيع نجده إن طعم معنا تباركنا، وشكر ودعا لنا، وإن ضحك ابتسم خفيفاً،
وإن أخطأنا غض طرفه وسمعه وتغافل،
وإن ظهرت إحدى نسائنا غض بصره وسترنا،
وإن علم فقرنا وحاجتنا سدها ودعمنا ودعا لنا،
وإن غادر لم يذكرنا إلا بخير،
وإن اغتابنا أحد سارع بالدفاع عنا لأجل ما بيننا من الخبز والملح واللقاء،
وإن علم من أسرارنا شيئاً كتمه ولم يظهره، لا حرمنا الله الأخيار الأبرار،
وإن كنا كذلك مع الناس سنجد الناس كذلك معنا،
فالجزاء من جنس العمل، قال تعالى:

{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعضُهُم أَوْلِيَاءُ بَعضٍ} [التوبة:71].

الذي أراه ينطقني

فتاوى ذات صلة
الإنسان الاجتماعي
الإنسان الاجتماعي

قيل: (إن للإجتماع روحاً لطيفاً فاعلة في النفوس كل جميل).. والإنسان يحب الاستئناس بالناس، يحب الحوار والأصحاب والجماعات والاجتماعات، ويحب اقرأ المزيد

محبة
محبة

للوطن محبة، ومحبة الحي، محبة الجيران والأهل، هي الطفولة هي الماضي والتاريخ والذكريات والأصحاب محبة لا تقارن لا تضمحل مع اقرأ المزيد

الحب
الحب

الحب ليس تجربة وليس شهوة وليس سباقاً أو تحدياً أو تفاخراً أو عذاباً… الحب يا كرام هو محبة ذات وجوهر اقرأ المزيد

الاختلاط
الاختلاط

الاختلاط قد يرغبه الكثير ويستحسنه، لأن النظر إلى النساء والتعامل معهن ليس بالشيء السيء للنفس الأمارة بالسوء، وكذلك العكس من اقرأ المزيد