الفشل

البطولة في النهوض من الرقود *** وبأن تتوب من العيوب لكي تعود..

وإذا فشلت بداية أنجحت نفسك بالجهود *** ومحوت إغراق التدني بالتهيؤ للصعود..

لا بأس أن نفشل، ومن الطبيعي أن نفشل،
لا نخجل من الفشل لأنه = (يساوي) تجارب،
والتجارب = خبرة، والخبرة حنكة، والحنكة حكمة،
والحكمة تجلب النجاح والفرح والفرج،
الفشل الحقيقي هو الإستسلام،
لأن الفاشل يستسلم ولا يقاوم،
لذلك مهما واجهنا من تحديات واختبارات علينا مواجهتها والاستمرار لآخر رمقٍ وهذا كما قال وفعلَ سيدنا موسى ﷺ:

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجمَعَ الْبَحرَينِ أَوْ أَمضِيَ حُقُبًا} [الكهف:60].

المعنى: لن أتوقف ولن استسلم زماناً ودهراً حتى أبلغ المكان الذي أريد.

الفشل ليس نهاية الحياة الدنيا! ولا التجربة الأخيرة!
مهما كان نوع الفشل ومهما كنا في أزمة:
عاطفية أو مادية أو نفسية أو اجتماعية..
فهو نوع من أنواع الاختبارات الإلهية لعباده،
لأن الاختبار سنة الحياة على كل إنسان في كل أصقاع المعمورة دون استثناء،
لا نظن أن الفشل قد خصنا دون غيرنا، بل العكس تماماً،

وفقاً لمواقع الإحصاء العالمية موقع Worldometer
هناك حالات إفلاس وموت وقتال وولادة وطلاق وزواج وأمراض وعلاج تحدث كل ثانية، مثلاً:
بتاريخ اليوم الذي أكتب فيه الآن هذه الثانية بلغ
(عدد المتوفين اليوم بسبب الجوع فقط: 2490 إنساناً.
وعدد المواليد اليوم: 30732 – عدد الوفيات اليوم: 14663).
العبرة أن نهوّن على أنفسنا الأمر قليلاً ونأخذه برحابة صدر، فالحياة دائما هكذا تدور وتمضي وستبقى هكذا..
نؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره دون أدنى اعتراض، ولا نقول إلا ما يرضي الله ربنا، الحمد لله وقدر الله وما شاء فعل.قال سبحانه وتعالى:

{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعلَونَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139].

يا كرام،
إن الاستسلام، التواكل، الاستهتار، النوم الزائد، الكسل، المماطلة، التسويف،
تكبد هذه الأشياء صاحبها فشلاً مهنياً واجتماعياً ودينياً ومالياً وعاطفياً..

ولتفادي هذا كله علينا شحذ الهمم والسعي والتوكل على الله بعد الأخذ بكل الأسباب المتاحة وغير المتاحة مع ضبط الأمور من جميع الاتجاهات دون تجاهل واستهتار أو تأجيل وتسويف، وقد قيل:

(إياك والتسويف فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غدٌ لك، فكن في غدك كما كنت في اليوم،
وإن لم يكن لك غدُ لن تندم على ما فرطت في هذا اليوم،
لا تقل غداً، لا تقل سوف).

وقيل أيضاً: (هلك المسوفون)،
الذين يقولون سوف نفعل سوف كذا سوف كذا ولا يفعلون إلى أن يضيع الوقت والعمر والفرص..

أحياناً نخوض تجربة عجولة دون دراسة ومشورة واستخارة فننصدم بالنتائج والعواقب،
وأحياناً تأخذ الدراسة والمشورة والاستخارة وقتاً طويلاً مبالغاً فيه عندها تضيع الفرصة أو تتغير،
هذا ما يشتت الناس في الغالب..
لأنهم لا يعلمون ضبط: “متى وأين وكيف”،
نجدهم عالقون في دوامة اسمها: أفعل أو لا أفعل،
وهو التردد، التردد يقتل الفرص ويُضعف الهمم، كذلك الملل واليأس والخوف والتهور والعجلة والتشتت الفكري..
كلها مسببات الفشل والتدهور والغرق،
إلا التوسط فهو حبل النجاة إن سانده العلم، والحكمة فهم الدواء لكل داء، الحل كما قيل:

إذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا عزيمة **فإنَّ فساد الرأي أن تترددا

حاول النبي وأصحابه الكرام جهدهم دخول مكة المكرمة لأداء العمرة ولكن كفار قريش فعلوا مالم يفعله أحد من قبل من منعهم وصدهم عن الدخول،
فلم يُقدّر الله لهم ذلك، فحزنوا وتفطرت قلوبهم،
وهذا مالم يشهده العرب سابقاً في رد زوار بيت الله عن البيت الحرام،
وعليه أبرموا صلحاً (صلح الحديبية) على مضضٍ وعادوا أدراجهم،
ليكون ذلك باباً في دخول الناس دين الله أفواجاً بعد ذلك.
الفشل لا نتمناه ولا نستسيغه،
ولكنه في الحقيقة يحمل في طياته الخيرات والخِبرات عند النهايات، مع أننا قد لا نرى الخير إلا بعد حين.

قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة:216].

الحذر من الآمال المزيفة،
فالنهوض والبدء من جديد بعد الفشل حتماً لا يعتمد على فلان أو فلانة قريباً كان أو بعيداً صديقاً أو غريباً ولا على بلد معين نهاجر إليه ظناً أنه الأمل الوحيد!
كما أن النهوض التام الصحيح يدفعنا أن لا نتحسر على ما فات من زمان أو ما ضاع من فرص،
بل نستبشر وننهض ولا نعتمد إلا على الله عز وجل ثم على أنفسنا، نلتزم كما ينبغي، نقرأ، ندرس، نرقي أخلاقنا، نطور المهارات ونصحح الأخطاء ونبدل كما يقولون (التكتيك) إلى أن نتدارك ما فات،
وقبل ذلك كله على رأس القائمة التقرب إلى الله البر الرحيم الذي بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله،
علماً أن ما ذكرناه ليس اعتباطياً أو للزينة..
بل كلمات ولدت من رحم المعاناة والأيام والحسرات والدمعات.. والفطن من قرأ وعقل واعتبر.

الفشل التربوي
أحياناَ يتجاوز مقدراتنا الفكرية والنفسية والبدنية،
بعد أن جربنا الكثير وشاورنا وسعينا جاهدين لتحقيق الأفضل في التربية ولكن دون جدوى،
وقد تضيق الدنيا بنا خصوصاً باضمحلال السُبل والطرق التي لا نرى ولا نعلم غيرها،
فعلينا إذاً قياس أسلوبنا بالأسلوب النبوي الراقي لنرى البعد والقرب من المقياس ومواضع الخلل والتقصير بنا لنتداركها ونعدلها ونصححها ثم نطبقها،
لأن خير البشر ﷺ قد علمه خير الملائكة جبريل عليه السلام، من خير كتاب على وجه الأرض القرآن الكريم،
وقد رأى وتكلم مع الملائكة والجن وعاشر كل أصناف البشر من ضعيفها لقويها من بخيلها لكريمها من عزيزها لذليلها،
فلا يوجد مثله ولا قبله ولا بعده من مرجع ومعلم.

الفشل الديني
لا ضير أم المصائب والمساوئ والتدهور،
لا نكاد نجد مسلماً بعيداً عن دينه إلا كان مهموماً محبطاً مشتتاً نفسياً واجتماعياً ولو كان معه ما كان من عز وثروة وسلطة وأصدقاء،
البعيد عن دينه كالبعيد عن الطعام والشراب لن يجد العوض والغذاء الصحي الصحيح دونهما مهما ظن وبحث وجرب، لأن الناس جُبلت وخلقت عليهما ولا عوض عنهما أو يبقى سقيما هزيلاً في تدهور،
غذاء الروح والقلب كتاب الله العزيز وسنة ومنهاج رسوله ﷺ، يحتاجهما الإنسان مهما بلغ من العمر أو الشأن،
لأننا مهما ابتعدنا عن الله وغفلنا عن الله واعتمدنا على غير الله وظننا السعادة في غير رضى الله ومهما قلدنا السعداء العاصين لوجدنا أنفسنا غارقين في بحر عميق يأخذنا الموج هنا وهناك إلى أن نضيع ونفشل في الدارين.

{وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31].

كما أن كل الناس على الأرض تبحث عن الدين والعبادة، تعلم ان الموت قريب، وتخاف ما بعد الموت،
وأن الموت لا منجى منه، وأن الجسد سيواريه التراب، المحزن من يعبد غير الله، كذلك الضائع في متاهات الأقوال والفلاسفة التي تضر وتشتت ولا تنفع، قال الله سبحانه:

{وَإِلَهُكُم إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة:163].

الفشل العاطفي
بين الزوج والزوجة لا يعني نهاية العالم وضياع الحب
ولا يعني توقف الحياة عند شخص معين،
فمن كان هو الطرف المظلوم المكلوم نقول له:
سيعوضك الله الخير الكثير، فاصبر،
فقط ينبغي علينا النظر إلى تصحيح السلبيات والبحث بحكمة عن توأم الروح وشريك العمر، كما لا يمنع من إعادة المياه لمجاريها والتصالح والتواضع والتفاهم مع الشريك القديم مع وجود النية على النجاح من جديد.

{وَالصُّلحُ خَيرٌ} [النساء:128].

الفشل الإداري
لا يعني التوقف بل إعادة المحاولة والتخطيط والتركيز وإضافة التحسينات المطلوبة بشكل مستمر لا متقطع مع الأخذ بالأسباب من دورات تدريبية، وندوات، ولقاءات، ومطالعة، واستفسارات، وحوارات، وأسئلة،
لأن مفتاح العلم السؤال،
من دون تكبر ولا خجل ولا تململ أو تأفف أو أعذار وتأجيل، الفشل لا شك يطوي خلفه سلبيات تكمن فينا وبأسلوبنا وطريقتنا نعلمها أحياناً ولكن نؤجلها ولا نعالجها،
وسيئات أخرى نجهلها ولا نود أن نسمعها من غيرنا،
لأننا لا نرى لها وزناً، تكبراً منا وغروراً،
كما أن عوامل الفشل السائدة المتأصلة في النفوس عديدة:

“كالغضب، وسوء الظن، والغرور، والحسد، وضعف الإيمان”
جميع ذلك سيقود الإنسان إلى الفشل في أغلب المجالات، لذا وجب العلاج والتعامل مع هذه الهوادم بحزم وجدية قبل فوات الأوان، كما أن التواضع بحكمة لا بتذلل يسهل الطريق في مشاركة الرجال عقولها واستشارتها،
واختيار الأنسب مع السعي لتقريب الأخيار وإبعاد الأشرار،
وقد كانت المشاورة ديدن الأنبياء والخلفاء والقادة.

قال تعالى: {وَشَاوِرهُمْ فِي الْأَمرِ} [الأحزاب:159].

النية الصالحة مفتاح النجاحات،

النية الطيبة والاستخارة والدعاء والصلاة والأعمال الصالحة تفتح آفاقاً كثيرةً وفرصاً كبيرةً،
لأن غالب أصحاب القلوب البيضاء نجدهم في نعيم ونجاحات مبهرة وسريعة! وهذا من فضل الله وقد قال:

{إِن يَعلَمِ اللَّه فِي قُلُوبِكُم خَيرًا يُؤْتِكُم خَيرًا} [الأنفال:70].

وهذا الذي أغلب رجال الأعمال يفعلونه ويلتزمون به من صدقات وعطايا ومساعدات للقريب قبل البعيد،
لأن برهم وفاجرهم التمسوا تلك البركات وعوائد الخير والصدقات، فاعلم ذلك واحفظه واجعله مسعاك ولو كان الكسب قليلاً، ولنعلم بأن الله سبحانه لا يُجرَّب، مثل:
نبالغ في التصدق ونبقي أيدينا خاوية، والعيال تنتظر.

«خيرُ الصَّدقةِ ما كان عن ظهرِ غنًى، وابدأْ بمَن تعولُ» – رواه النَسائي.

كثيراً منا يتواجد في حقل وبيئة عملية غير منسجمة وغير متوافقة مع طبيعتنا ومبادئنا وكرامتنا ولا شخصيتنا ولا حتى طموحاتنا، في حين أغلبنا يتمتع بكفاءة ومهارة ما، ولن نجدها إلا بالبحث عنها، وبداية نجاحنا يكون بإيجاد واكتشاف قدراتنا إن شاء الله من دون غرور وتهور،
حيث أن الاكتشاف الحقيقي الواقعي لا يأتي بيومٍ وليلة أو من تجربة خجولة أو بمديح مادح،
بل من خلال عدة تجارب ونجاحات وفشل ومصاعب وتحديات وبلاءات وبعد زمان، قال الله سبحانه وتعالى:

{وَلَا تَيْئَسُوا مِن رَوحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوحِ اللهِ إِلَّا الْقَومُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87].

فإن تكرر الفشل نسترشد من أمين رشيد صالح نشاركه مشاكلنا ليرشدنا الطريق ويوفر علينا الكثير ويحيي فينا العزيمة والأمل. وهناك الكثير من رجال الأعمال والشركات العالمية الكبرى فشلت فشلاً ذريعاً وأفلست،
ولكنها غيرت النهج وثبتت ثم نجحت.

الفشل أو الشح الاجتماعي
يواجهه الجميع بغض الطرف عن جمالنا، مالنا، ذكائنا، شهرتنا أو وظيفتنا،
حتى إن الكثير من الأطفال والمشاهير ورجال الأعمال والطلبة والكبار والنساء أو الرجال يواجهون الوحدة والمشاكل الاجتماعية من القريب والغريب والصديق والجار والزميل..
سنة الحياة في كل مكان على مر الزمان،
كلما انشغلنا وكبرنا تقل الأعداد واللقاءات والصداقات، وبعض الأحيان إن حدث وتغيرنا لأسباب تغيروا،
وإن فشلنا شمتوا أو حزنوا،
وإن نجحنا حسدوا أو توددوا،
لذلك معيار ضبط الناس والأقارب معقد وشبه مستحيل،
ولكن أفضل الطرق هي التجاوز عن المسيء منهم، والإحسان وتقديم المعونة للجميع دون استثناء وسبب،
لأن عملنا هذا ليس لكسبهم بل لكسب رضى الله سبحانه ثم لأننا ذوي معادن كريمة نفيسة،
فالمحافظة على مكارم الأمور ومعاليها مع التعامل الكريم والهجران الجميل دون قطيعة من أكبر عناصر النجاح والصعود ودخول جنة النعيم.
قال رسول الله ﷺ لعقبة بن عامر رضي الله عنه:

«يا عُقبة، صِل مَن قَطَعَك، وأعطِ من حرمَك، وأعرِض عمَّن ظَلَمَكَ» – تخريج المسند لشعيب الأرناؤوط الدمشقي.

الذي أراه ينطقني.

فتاوى ذات صلة
الإنسان الاجتماعي
الإنسان الاجتماعي

قيل: (إن للإجتماع روحاً لطيفاً فاعلة في النفوس كل جميل).. والإنسان يحب الاستئناس بالناس، يحب الحوار والأصحاب والجماعات والاجتماعات، ويحب اقرأ المزيد

محبة
محبة

للوطن محبة، ومحبة الحي، محبة الجيران والأهل، هي الطفولة هي الماضي والتاريخ والذكريات والأصحاب محبة لا تقارن لا تضمحل مع اقرأ المزيد

الحب
الحب

الحب ليس تجربة وليس شهوة وليس سباقاً أو تحدياً أو تفاخراً أو عذاباً… الحب يا كرام هو محبة ذات وجوهر اقرأ المزيد

الاختلاط
الاختلاط

الاختلاط قد يرغبه الكثير ويستحسنه، لأن النظر إلى النساء والتعامل معهن ليس بالشيء السيء للنفس الأمارة بالسوء، وكذلك العكس من اقرأ المزيد